بذل
أسباب العفاف والغنى والمحافظة على المال العام
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ،
وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ
يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ
أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ
تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعد،
أَيَّها
الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ تعالى، واعلَمُوا أنَّ
مَـحَاسِنَ الأخلاقِ الظَّاهرةِ والبَاطنةِ، والتي أَمَرَ اللهُ بها، تَتَطَلَّبُ
من العبدِ مـُجَاهَدةً وبَذْلًا لِلأسبابِ، كِي يَحْظَى بِها وبِثَوابِها مِن
الله. وَمِنْ ذلك ما وَرَدَ في قَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ( وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ
يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ
عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ). فَفِي هذا الحديثِ العَظِيمِ،
حَثٌّ مِن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم على مُـجاهَدِةِ النَّفسِ عَلى الاستغناءِ
والاستِعفافِ والصبرِ، حَيْثُ قال: (وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ)، وهذا يَشْمَلُ أُمُورًا ثَلَاثَةً:
أَوَّلُهَا:
أَنْ يَسْتَغْنِي عَن الرزقِ الحرامِ مَهْمَا بَلَغَتْ حاجتُه، فلا يَسْرِقْ، ولا
يأكلِ الرَّشْوةِ، ولا يأخذْ مِنْ بَيْتِ الْمالِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَحَقٍّ، ولا
يأكلْ الرِّبا، ولا يَغُشُّ في البيعِ. ودائِماً يُذَكِّر نَفْسَه بأنَّ في الرزقِ
الحَلالِ وَلَوْ كان قَليلا، غُنيةً عَن الحرامِ وَلَوْ كان كثيراً، وَأَنَّ كُلَّ
لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فالنارُ أَوْلَى بِه. وأنَّ الكَسْبَ الخَبِيثَ سَبَبٌ
لِمَحْقِ البَرَكةِ، وفسادِ القلبِ والأعمالِ. وحُلُولِ النِّقَمِ والكوارثِ.
خُصُوصًا
مَنْ كانَ مُوَظَّفًا في الدَّوْلَةِ أَوْ مَسْؤولَا، فَإِنَّ الْمَالَ العامَّ
أَخْطَرُ مِن الْمَالِ الخاصِّ، وحُرْمَتَهُ أَشَدُّ، لِأَنَّه مالُ الْمُسْلِمِين،
فالتَعَدِّي عَلَيْهِ هُوَ تَعَدٍّ عَلَى أَمْوالِ الْمُسْلِمين، ولَيْسَ تَعَدٍّ
على مالِ شَخْصٍ بَعَيْنِه، ولذلك تَكُونُ الوَرْطَةُ فيه أَشَدَّ.
قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ
اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ
كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة ). وقالَ النبيُّ صلى الله
عليه وسلم فِيمَنْ أخَذَ هدِيَّةً أُهْدِيَت له فَأخَذَها لِنَفْسِهِ: ( هَلَّا جَلَسِ في بَيْتِ أُمِّهِ لَيَنْظُرَ هَلْ يُهْدَى
له؟ ). مِمَّا يَدُلُ على أَن الْمُوَظَّفَ لا
يَجوزُ له أَنْ يَسْتَغِلَّ الوَظِيفَةَ لِنَفْعِهِ الخاصِّ، سواءً كانَ
مُوَظَّفاً صَغِيرًا أو كَبيرًا، وأَنْ لا يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ مِن أَحَدٍ، فإنْ
فَعَلَ فَهِيَ غُلُولٌ يأتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ويَشْتَدُّ الأَمْرُ عِنْدما
تَكُونُ الهَدِيَّةُ في مُقابِلِ خِدْمَةٍ قَدَّمَها.
فالواجِبُ
على الْمُوَظَّفِ والْمَسْئُولِ أنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ كُرْسِيَّ الوَظِيفَةِ والْمَنْصِبِ
أَشَدُّ خَطَراً مِن كُرسِيِّ البَقَّالَةِ وبَقِيَةِ الْمَتاجِرِ. وهذا يَدُلُّ
عَلى أَنَّ النَّزاهَةَ والأَمانَةَ في الأَمَوالِ، ومُحارَبَةَ الفسادِ في ذلك،
والحِفاظَ عَلى الْمَالِ العامِّ، وعَدَمَ الاعْتِداءِ عَلَيْهِ، مُسْئُولِيَّةُ
الجَمِيعِ، مِمَّا يُوجِبُ تَعاوُنَ أَفرادِ المُجْتَمَعِ ومَسْئُولِيهِ في ذلك،
حَتَى ما يَتَعَلَّقُ بالإبلاغِ عَنْ جرائِمِ الفساد ومُرْتَكِبِيها.
ثانياً: مِنْ
أسْبابِ الغِنَى: أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَه لِلْمَخْلُوقِينَ فَيُكْثِرَ
مِن سُؤَالِهِم وَطَلَبِ مُساعَداتِهم والإلحاحِ عَلَيْهِم سَواءً كان في مالٍ أو
غَيْرِه، لِأَنَّ ذلك يُوْرِثُهُ الذُّلَّ وكَراهَةَ الخَلْقِ لَه، بَلْ يَنْبَغِي
أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِاللهِ عَنْهُم، وَأَنْ يَبْذُلَ الأسبابَ بِنَفْسِه
مُتَوَكِّلًا عَلَى اللهِ، وَلَا يَجْعَلَ لِلناسِ مِنَّةً عَلَيْه، فَإِنَّ مَنْ
يَفْعلُ ذلك لا بُدَّ وأنْ يُغْنِيَه اللهُ عَنْ مِنَّةِ الخَلْقِ والتَفَضُّلِ
عَلَيْهِ.
ثالثاً: أنْ
يَقُومَ العَبْدُ بِبَذْلِ أسبابِ التِكَسُّبِ الْمُباحِ مَعَ الاستعانةِ باللهِ
وعدمِ اليأسِ مِن حُصُولِ الكَسْبِ والرزقِ الحلالِ، قال عليه الصلاة والسلام:
( لَأَنْ
يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ
فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ
النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ). وهَذا الأمْرَ مِن النبيِّ صلى الله
عليه وسلم، عامٌّ وَلَيْسَ خاصًّا بالاحتِطابِ. فَمَا أَعْظَمَ عِزَّةَ النفسِ
والاستغناءِ بِالله وَبَذْلِ الأسبابِ، فَإِنَّ مَنْ يَسْتَغْنِ بِما عِنْدَ اللهِ
عَمَّا في أيدي الناسِ، يُغْنِهِ اللهُ عز وجل.
ثانياً: قَوْلُه
صلى اللهُ عليه وسلم في الحديثِ: ( مَنْ
يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ الله )، أيْ: مَنْ يَتَجَنَبِ الأسبابَ التي
تُوقِعُهُ فِي الفاحشةِ، وَيَسْتَعِفُّ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَليْهِ مِن النساءِ,
يُعِفُّهُ اللهُ عز وجل.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ
الْعَظِيم، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ
الْحَكِيم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ
الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ
للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن
لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً
عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمّا
بَعدُ:
ومِمَّا وَرَدَ في الحديثِ الذي سَمِعْتُمُوه أَيْضًا: (
وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله )، أَيْ
يُعْطِيهِ اللهُ الصَّبْرَ. فَإِذا تَصَبَّرْتَ، وَحَبَسْتَ نَفْسَكَ على الطاعةِ،
وَمَنَعْتَها مِمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكَ، وَصَبَرْتَ عَلَى ما عِنْدَكَ مِن
الحاجةِ والفَقْرِ وَلَمْ تُلِحَّ عَلَى الناسِ بالسُّؤالِ فَإِنَّ اللهَ تعالى
يُصَبِّرُكَ وَيُعِينُكَ عَلَى الصبرِ، وَيَقْذِفُ في قَلبِك الرِّضى وَعَدَمَ
الجَزَعِ.
ثُمَّ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (
وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطاءً خَيْرًا وَأْوْسَعَ مِن
الصَّبْرِ ). لِأَنَّ الطاعةَ تَحْتاجُ إلى صَبْرٍ، والشَّهَواتِ يَحْتَاجُ
المؤمنُ في تَرْكِها إلى الصبرِ، والأَقْدارَ الْمُؤْلِمَةَ مِنْ مَرَضٍ وَفَقْرٍ
وَظُلْمٍ تَحْتاجُ إلى الصبرِ. فَإذا كان الإنسانُ قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْه
بالصبرِ، فهذا خَيْرُ ما يُعْطاه الإنسانُ، وأوسَعُ ما يُعْطاه.
فَنَسْأَلُ
اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّن إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا
أذنبَ استغفرَ، اللَّهُمَّ اكْفِنا بِحَلالِكَ عَنْ حَرامِكَ، وأغْنِنا بِفَضْلِكَ
عَمَّنْ سِواكَ، واستَعْمِلنا
في طَاعَتِك، وثَبِّتْنا على دَينِك، وارزقْنَا الإخلاصَ في أقوالِنا وأعمالِنا،
وخَلِّصْنا مِن حقوقِ خلقِك، وباركْ لنا في الحلالِ مِن رِزقِك وتوفَّنَا مُسلِمِين
وألْحِقْنا بالصَّالِـحينَ، اللهُمَّ احفظْنا بالإِسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإِسلامِ
قاعدِين واحفظْنا بالإِسلامِ راقدِين ولا تُشْمِتْ بِنا أَعداءَ ولا حَاسِدِينَ،
اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ الْمُسلمينَ حُكَّاماً ومحكُومين، اللهُمَّ أنزلْ على الْمُسلمينَ
رحمةً عامَّةً وهدايةً عامَّةً يا ذا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اجمعْ كلمةَ الْمُسلمين
على كتابِك وسُنَّةِ نبيِّك محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، اللهُمَّ احِقنْ
دماءَ الْمُسلِمِين، واجعلْ كلمتَهم واحدةً ورايتَهم واحدةً واجعلْهُم يداً واحدةً
وقوَّةً واحدةً على مَنْ سِواهُم، ولا تجعلْ لأعدائِهم مِنَّةً عليهم يا قويُّ يا
عزيزُ، اللهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون
عَبادَك الْمُؤمِنين، اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل
الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ
يا قويُّ يا متين،اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِمَّنْ يكيدُ لها، وأَعِذْهَا من شرِّ
الأشرارِ وكَيْدِ الفُجَّارِ، اللهُمَّ وَفِّقْ ولاةَ أمرِنا بتوفيقِك،
وأيِّدْهم بتأييدِك، واجعلهم من أنصارِ دينِك، وارزقْهُم البطانةَ الصالحةَ
الناصحةَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اغفرْ للمُسلِمينَ والْمُسلِماتِ
والْمُؤمِنينَ والْمُؤمِناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ
الدَّعَواتِ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ
أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق
تجدها هنا :
http://www.islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119
|