شُكْرُ اللهِ عَلَى نِعْمَةِ الأَمْنِ
والتَّذْكِيرُ بِاسْتِغْلِالِ ما بَقِي مِن رَمَضان
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعدُ:
عِبادَ
اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تعالَى، واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بَعَثَ محمدًا صلى الله
عليه وسلم بِالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ
كَرِهَ الْمشركون. وهذا وَعْدٌ صادِقٌ مِن اللهِ تَعالَى، بِأَنْ يُظهِرَ هذا
الدِّينَ على جَمِيعِ الأَدْيانِ، وَيَعْلُوَ عَلَيْها، وَيَعُمَّ جَمِيعَ أقطارِ
الأَرْضِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لِلإسلامِ وَإِنْ حَصَلَ
لِأَهْلِهِ ما حَصَلَ مِنْ الابتِلاءاتِ والْمِحَنِ التي لابُدَّ مِنْها. قال
تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْمُشْرِكُونَ ).
فَدِينُ اللهِ
لابُدَّ وَأَنْ يَظْهَرَ وَيْعْلُوَ عَلَى جَمِيعِ الأديانِ. والغَلَبَةُ
لِأَهْلِهِ بِإذْنِ اللهِ، وَلَوْ كَرِهَ الكافرونَ، واسْتَبْعَد ذلكَ الْمُنافِقُون
والْمُخَذِّلُونَ واليائِسُونَ.
فَيَجِبُ على الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعُوا ذلك، وأن يَبْذُلُوا
أَسْبابَ نُصْرَةِ هذا الدينِ بالطُرُقِ الْمَشْرُوعَةِ،
فَإِنَّ هذا الظُّهُورَ الذي وَعَدَ اللهُ بِه يا عِبادَ اللهِ، لا يَتَحَقَّقُ
إلا بِنَفْسِ الْمَنْهَجِ الذي كان عَلَيْهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
وأَصْحابُهُ. ألا وَهُوُ الدعوةُ إلى التَّوحِيدِ أولًا، وَتَحْقِيقُ مَعْناه
اعْتِقادًا وقَولًا وعَمَلًا، وبيانُ ذلك بَيانًا شافِيًا، وعَدَمُ التهاوُنِ في
نَشْرِه وتَحْقيقِهِ. والتَّحذيرُ مِن الشركِ صَغِيرِه وكَبِيرِه، وبيانُ خَطَرِه،
والنهيُ عَنْ الوَسائِلِ الْمُفْضِيَةِ إلَيْهِ.
وَكُلُّ مَا أمَرَ اللهُ بِه مِن الأقوالِ
والأعمالِ، إنما هو تابِعٌ للتوحيدِ ومُكَمِّلٌ لَه، لِأَنَّ التوحيدَ هُو
الأَصْلُ. فالواجِبُ عَلَينا أَنْ نَهْتَمَّ بِذلك كَي تَحْصُلَ لَنا العِزَّةُ
والسِّيادَةُ والتَّمْكِينُ.
وهذِه الدولةُ حَفِظَها اللهُ
قامَتْ أَصْلًا عَلَى تَحْقِيقِ التوحيدِ والدعوةِ إليه، ونَبْذِ الشِّرْكِ،
ونَشْرِ الدَّعْوَةِ السلَفِيَّةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِن القرآنِ والسُّنَّةِ،
مُنْذُ تَأْسِيسِها، وَلا تَزالُ مُسْتَمِرَّةً عَلى ذلكَ وَلِلهِ الحَمْدُ،
حَتَّى صارَتْ مَضْرَبَ مَثَلٍ في تَطْبِيقِ الإِسلامِ والدعوةِ إليه، ومَنَّ
اللهُ عَلَى أَهْلِها بالأَمْنِ والأمانِ والرَّخاءِ والسعادَةِ. مِصْداقًا
لِقَوْلِه تَعالَى: ( الَّذِينَ
آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ
وَهُم مُّهْتَدُونَ ). فَاحْمَدُوا اللهَ
أَنَّكُمْ تَعِيشُونَ في بَلَدٍ قامَتْ عَلى ذلكَ، وعَرَفَها العالَمُ بِأَسْرِهِ
بِها، فَإِذا ذُكِرَ التوحيدُ وَعَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، والنَّهْيُ عن
الشِّرْكِ والبِدَعِ، لا تَنْصَرِفُ الأذهانُ إلا إِلَيْها وللهِ الحَمْدُ.
فَنَحْمَدُ اللهَ عَلى هذه النِّعْمَةِ، ونَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنا شٌكْرَها،
فَإِنَّه بِالشُّكْرِ تَزِيدُ النِّعَمُ.
وَإِنَّ مِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ التوحيدِ
والأَمْنِ: الاسْتِمْرارَ عَلى هذه
الدَّعْوَةِ، وزِيادَةَ الجُهْدِ في خِدْمَتِها ونَشْرِها.
وَمِنْ ذلكَ:
أَنْ نَكُونَ كالأُسْرَةِ الواحِدَةِ، والبيتِ
الواحِدِ، مَعَ بَعْضِنا، ومَعَ عُلَمائِنا وَوُلاتِنا. لا نَسْمَحُ لِأَحَدٍ
كائِنًا مَنْ كانَ أَنْ يُفَرِّقَ كلِمَتَنا أَوْ يَمَسَّ دِينَنا وَأَمْنَنا.
فَإِنَّ الجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، والفُرْقَةَ عَذابٌ، وَيَدُ اللهِ مَعَ الجماعة.
خصُوصًا في الفِتَنِ والأزماتِ، مَعَ الحِرْصِ عَلَى حِفْظِ اللِّسانِ وَعَدَمِ الخَوْضِ
والكَلَامِ عَنْها في الْمَجالِسِ وَوَسائِلِ التَوَاصُلِ، وَتَرْكِ ذلكَ لِأَهْلِ
الاخْتِصاصِ وَلِمَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَنَا، قال تَعالى: ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ
أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ).
وَمِنْ
أَخْطَرِ أُمُورِ اللِّسانِ في الفِتَنِ: بَثُّ
الشَّائِعاتِ وَتَدَاوُلُها، والتَّسارُعُ في تَناقُلِ الأَخْبارِ، مَعَ وُجُودِ
ما يُؤَجِّجُها اليَوْمَ مِنْ تَصْوِيرِ الْمَقاطِعِ وَتَدَاوُلِها والتَسابُقِ في
بَثِّها خُصُوصًا ما يَتَعَلَّقُ بِالأَحْداثِ الأَمْنِيَّةِ، لِمَا في ذلك مِن
الإِرْجافِ والإِعانَةِ عَلَى إشاعَةِ الخَوْفِ وَتَعْرِيضِ الأَنْفُسِ والْمَصالِحِ
لِلْخَطَرِ.
ثُمَّ اعْلَمُوا يا عِبادَ اللهِ: أنَّ اللهَ تَعَالَى فَتَحَ لَنا بابًا عَظِيمًا، لا
يَنْبَغِي أَنْ نَغْفَلَ عَنْهُ أَبَدًا، أَلَا وَهُوَ الدُّعاءُ بِأَنْ يَحْفَظَ
اللهُ بِلادَنا، وَوُلاتَنَا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَأَنْ يَدِيمَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ
عِزَّها وَقُوَّتَها وَمَنَعَتَها، وأَنْ يَحْفَظَ لَها ولِسائِرِ بِلادِ الْمُسْلِمينَ
دِينَهُمْ وأَمْنَهُمْ، وأَنْ يَجْمَعَ كَلِمَتَهُمْ، وأَنْ يَحْفَظَ جُنُودَنا،
وأَنْ يُسَدِّدَ رَأْيَهُمْ وَرَمْيَهُمْ.
باركَ
اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه
مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ
لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين، وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين، وَلا
عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين، وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا
شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَليْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أما بعد:
عِبادَ
اللهِ: لَقَدْ مَضَى أَكْثَرُ شَهْرِ رَمضانَ، ونَحْنُ عَلَى أَعْتابِ العَشْرِ
الأخيرةِ مِنه، وفِيها مِن الخَيْرِ والفَضائِلِ ما لا يَخْطُرُ بِبالِ أَحَدٍ،
فَإنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِنَا، أَنَّ فَضائِلَ شَهْرِ رَمضانَ لا تَنْقَضي،
ولِذلكَ خَصَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَزيدِ مِن العَمَلِ، وَكانَ
يُضاعِفُ اجْتِهادَهُ، وَيَشُدُّ مِئْزَرَه وَيُحْيِي لَيْلَه، ولا يَقْتَصِرُ
الأَمْرُ عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ يَأْمُرُ أَهْلَه بذلك.
وهذا مِن التَدَرُّجِ في التَعَبُّدِ والتَبَتُّلِ والإقبالِ على
اللهِ،
فإِنَّ العَبْدَ في أَوَّلِ الشَّهْرِ يَنْقَطِعُ
بالصِّيامِ عن الْمَلَذَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِفُضُولِ الطعامِ والشرابِ
والجِماعِ، والكلامِ الْمُحَرَّمِ، فَيَتَحَصَّنُ قَلْبُهُ مِن الصَّوَارِفِ التي
تُعِيقُ القَلْبَ عن سَيْرِهِ إلى اللهِ والدارِ الآخِرَةِ، حتى إِذا تَهَيَّأَتْ
النَّفْسُ، انْتَقَلَتْ في العَشْرِ الأواخِرِ
إلَى مَرْحَلَةٍ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ
بِحِمايَةِ القَلْبِ مِن شَواغِلِ الدنيا، وشَواغِلِ الجُلَساء، وذلك بالانقِطاعِ
والتفَرُّغِ شِبْهِ التامِ بالصَّلاةِ والقرآنِ والدُّعاءِ وسائِرِ الأذكارِ،
سواءً كان ذلك بالاعتِكافِ أو غَيْرِه.
فَمَا
ظَنُّكم بِمَنْ كانت هذه حالُه، كيف سَيَكونُ قَلْبُه في رمضانَ وبَعْدَ رَمضان؟
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيامَ والقِيامَ وَوَفِّقْنَا
فِيمَا بَقِيَ مِن اللَّيالِي والأَيامِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَتَنا وَوَحِّدْ
صَفَّنا وَرايَتَنا واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِين، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا
مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ
خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ،
وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ،
اللهُمَّ أصلحْ أَحوالَ الْمُسْلِمِيْنَ، اللهُمَّ ارْفعْ البَلاءَ عَن الْمُستضعفينَ
مِن الْمُؤمِنين فِي كُلِّ مَكانٍ، اللهُمَّ احِقنْ دماءَ الْمُسلِمِين يا ربَّ
العَالَمِين، اللهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن
دِينِكَ وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين، اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا
يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ
عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِن
كَيدِ الكَائِدِينَ وعُدْوانِ الْمُعتدينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ لِبِلَادِنَا
دِينَها وَعَقِيدَتَها وَأَمْنَها وَعِزَّتَها وَسِيادَتَها، وَأَصْلِحْ أَهْلَها وَانْصُرْ
جُنُودَها وَاحْمِ حُدُودَها يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ
بِأَعْدائِها فِي الدَّاخِلِ وَالْخارِجِ، اللَّهُمَّ أَخْرِجْها مِنَ الْفِتَنِ
وَالشُّرُورِ وَالْآفَاتِ، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمرِنا بِتَوفِيقِك،
وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك، وَاجْعَلْهُم مِن أَنصارِ دِينِك، وَارزقْهُم البِطانةَ
الصَّالحةَ النَّاصِحةَ يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اغْفِرْ
لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأحْيَاءِ
مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ).
وللمزيد من الخطب السابقة عن شهر رمضان تجدها هنا :
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=132