| لِلْكِراْمِ؛اَلْحَذَرُ مِنْ اَلْفُتُوْرِ بَعْدَ اَلْصِّيَاْمِ إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ . أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ؛ عِبَادَ اللهِ : تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ . أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : قَبْلَ أَيَّامٍ وَدَّعْنَا رَمَضَانَ ، شَهْرَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْقُرْآنِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَمْضِ إِلَّا زَمَنٌ يَسِيرٌ ، وَقَدْ أَصَابَ بَعْضَ الناسِ الْفُتُورُ وَالْكَسَلُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ ، وَهَذَا الْفُتُورُ أَمْرٌ خَطِيرٌ ، يَجِبُ التَّفَطُّنُ لَهُ وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى دَفْعِهِ ، حَتَّى لَا يَنْقَطِعَ الْعَبْدُ عَنِ الطَّاعَةِ بَعْدَ أَنْ ذَاقَ حَلَاوَتَهَا ، فَيَقَعَ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : أَيْ : خَالَفَ أَمْرِي ، فَلَا طُمَأْنِينَةَ لَهُ وَلَا انْشِرَاحَ . فَعِبَادَةُ اللهِ الَّتِي كُنَّا نَتَلَذَّذُ بِهَا فِي رَمَضَانَ ، مَشْرُوعَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ ، بَلْ هِيَ الْغَايَةُ الَّتِي خَلَقَنَا اللهُ لَهَا ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ بِهَذَا هُوَ الْمُشْكِلَةُ ، وَإِنَّمَا الْمُشْكِلَةُ فِي الْعَمَلِ . فَبَعْضُ النَّاسِ يَحْصُرُ الْعِبَادَةَ فِي أَرْكَانٍ مَحْدُودَةٍ ، أَوْ فِي أَمَاكِنَ مُعَيَّنَةٍ ، أَوْ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ كَشَهْرِ رَمَضَانَ ، فَإِذَا انْتَهَى تَرَكَ الْعِبَادَةَ ، فَصَارَتِ الْعِبَادَةُ عِنْدَهُ بِحَسَبِ الظُّرُوفِ ، بَلْ فِي ذَيْلِ الِاهْتِمَامَاتِ ، حَتَّى يُخْشَى أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ : ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ . أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : وَلِكَيْ نُدْرِكَ تَقْصِيرَنَا ، فَلْنَنْظُرْ إِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّونَ الاقْتِدَاءَ بِهِمْ ، فَفِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ : أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ الآخَرُ : أَصُومُ الدَّهْرَ ، وَقَالَ الثَّالِثُ : أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ ، فَقَالَ ـ صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . تَأَمَّلُوا إِقْبَالَهُمْ عَلَى العِبَادَةِ ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى حَالِنَا رَأَيْنَا الفَرْقَ ؛ يُصَلِّي أَحَدُنَا ثُمَّ يَقَعُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ ، فَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مُفْلِسًا ، أَمَّا السَّلَفُ فَكَانُوا يَخَافُونَ عَدَمَ القَبُولِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ ، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لَأَنْ أَسْتَيْقِنَ أَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ : أَيْنَ نَحْنُ مِنَ الصَّحَابَةِ؟! فَنَقُولُ : لَيْسَ لَكَ عُذْرٌ ، فَقَدْ فُتِحَ لَكَ مِنَ النِّعَمِ مَا لَمْ يُفْتَحْ لَهُمْ ، كَانُوا يَرْبِطُونَ بُطُونَهُمْ مِنَ الجُوعِ ، وَأَنْتَ قَدْ تَرْبِطُ بَطْنَكَ مِنْ كَثْرَةِ الأَكْلِ ، وَكَانَ ـ صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَمُرُّ عَلَيْهِ الأَشْهُرُ لَا تُوقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارٌ ، وَأَنْتَ فِي مَطْبَخِكَ مَا لَا يُحْصَى ، وَكَانَ يَنَامُ عَلَى الحَصِيرِ ، فَانْظُرْ عَلَى مَاذَا تَنَامُ! وَمِنْ شِدَّةِ إِقْبَالِهِمْ عَلَى العِبَادَةِ ، رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَأَى حَبْلًا مَمْدُودًا ، فَقَالَ : «مَا هَذَا؟» قَالُوا : لِزَيْنَبَ ، إِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ ، فَقَالَ : «حُلُّوهُ ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ» . فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُمْ مَعَ قِلَّةِ ذَاتِ اليَدِ ، فَكَيْفَ بِنَا مَعَ سَعَةِ النِّعَمِ؟! أَفَلَا يَكُونُ شُكْرُهَا بِالطَّاعَةِ؟! فَاللَّهَ اللَّهَ فِي العِبَادَةِ ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي شُكْرِ النِّعَمِ ، قَبْلَ أَنْ تُسْلَبَ أَوْ تُسْأَلَ عَنْهَا . أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ . الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ : وَإِنِ انْتَهى رَمَضَانُ ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ مَطْلُوبَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ حِينٍ ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ أَيِ : اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْمَوْتُ ، اجْعَلْ حَيَاتَكَ عِبَادَةً للهِ عَزَّ وَجَلَّ ، اجْعَلْ حَيَاتَكَ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يَعْنِي : الصَّلَاةُ للهِ وَحْدَهُ ، وَكَذَلِكَ النُّسُكُ : يَعْنِي مَا يُذْبَحُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَالْمَحْيَا وَالْمَمَاتُ ، كُلُّ ذَلِكَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ حِينٍ ، لَيْسَ فَقَطْ فِي رَمَضَانَ ، بِئْسَ وَاللهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ ، وَلَا يَعْبُدُ رَبَّهُ إِلَّا فَقَطْ فِي رَمَضَانَ ، قِيلَ لِلْإِمَامِ الزَّاهِدِ ، بِشْرٍ الْحَافِي - رَحِمَهُ اللهُ- : إِنَّ قَوْمًا يَتَعَبَّدُونَ اللهَ ، وَيَجْتَهِدُونَ فِي رَمَضَانَ ، فَقَالَ : بِئْسَ الْقَوْمُ لَا يَعْرِفُونَ اللهَ حَقًّا إِلَّا فِي رَمَضَانَ . فَاللَّـهَ . . اللهَ إِخْوَتِي فِي اللهِ ، لِنُحَافِظْ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَلْنَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ ، وَلْنَحْرِصْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهُ ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ عَدَمِ تَرْكِهِ وَهَجْرِهِ . أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعِينَنِي وَإِيَّاكُمْ عَلَى شُكْرِهِ وَذِكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَتَوَفَّنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ نَصْرَ الْإِسْلَامِ وَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ احْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ . اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِهُدَاكَ ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِي رِضَاكَ ، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ وَأَبْعِدْ عَنْهُمْ بِطَانَةَ السُّوءِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ الْإْسَلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ اللَّهُمَّ اشْغَلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا لَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ . عِبَادَ اللهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .
|