دَوْاءُ اَلْقُلُوْبِ مِنْ دَاْءِ اَلْذُّنُوْبِ
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ؛ عِبَادَ اللهِ :
تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ ؛ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِهِ الْعَبْدُ فِي حَيَاتِهِ ؛ قَصِيرةِ الْمَدَى سَرِيعَةِ الانْتِهَاءِ ؛ هُوَ صَلَاحُ قَلْبِهِ وَسَلَامَتُهُ ، لأَنَّ الْقَلْبَ هُوَ مَحَلٌّ لِنَظَرِ وَمَوْضِعِ الْقَبُولِ ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : « إِنَّ اللهَ تَعَالى لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوالِكُمْ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ » ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَخِي الْمُسْلِمَ ؛ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنْظُرُ إِلَى جِسْمِكَ هَلْ هُوَ كَبِيرٌ أَوْ صَغِيرٌ ، أَوْ صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ ، أَوْ هَلْ هُوَ جَمِيلٌ أَوْ ذَمِيمٌ ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَمْوَالِكَ ؛ هَلْ هِيَ كَثِيرَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ ، إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قَلْبِكَ ، إِلَى تَقْوَاهُ ، إِلَى يَقِينِهِ ، إِلَى صِدْقِهِ ، إِلَى إِخْلَاصِهِ ، إِلَى مَا فِيهِ مِنْ أَخْلَاقٍ ، وَكَذَلِكَ يَنْظُرُ إِلَى أَعْمَالِكَ ، هَلْ هِيَ صَالِحَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ : فَعَلَى الْمَرْءِ ألَّا يَفْخَرَ بِمَالِهِ وَلَا بِجَمالِهِ وَلَا بِبَدَنِهِ وَلَا بِأَوْلَادِهِ وَلَا بِقُصُورِهِ ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيا أَبَدًا ، إِنَّمَا إِذَا وَفَّقَهُ اللهُ لِلتَّقْوى ؛ فَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْهِ ؛ فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ خُذِلَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نفْسَهُ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْقَلْبِ وَضَرُورَةِ الْاعْتِنَاءِ بِهِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - أَنَّ بِصَلَاحِهِ صَلَاحَ الْجَسَدِ كُلِّهِ ، وَبِفَسَادِهِ فَسَادَهُ كُلِّهُ ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ ؛ وَالدَّلِيلُ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ، وَيَقُولُ : ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ، وَيَقُولُ :﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ، وَفِي مِثْلِ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَثِيرٌ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ يَمْرَضُ ، وَمِنْ أَخْطَرِ أَمْرَاضِهِ قَسْوَتُهُ وَغَفْلَتُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ، وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَائِلٍ : ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَغَفْلَتِهِ وَمَرَضِهِ : إِعْرَاضُ صَاحِبِهِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَانْشِغَالُهُ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، يَقُولُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ : رَانَ : أَيِ : اجْتَمَعَ عَلَيْهَا وَحَجَبَهَا عَنِ الْحَقِّ .
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
إِنَّ صَلَاحَ الْقَلْبِ لَا يَكُونُ بِكَثْرَةِ الْكَلَامِ وَلَا بِحُسْنِ الْمَظْهَرِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِأَعْمَالٍ خَفِيَّةٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَهَمِّهَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُحْيِي الْقُلُوبَ كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ الذِّكْرَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَنُورُهَا وَطُمَأْنِينَتُهَا ، وَكُلَّمَا أَكْثَرَ الْعَبْدُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ وَزَادَهُ طُمَأْنِينَةً ، قَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ .
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُصْلِحُ الْقُلُوبَ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرُهُ ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَنُورٌ يَهْدِي اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ ، فَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ تِلَاوَتِهِ بِتَدَبُّرٍ وَخُشُوعٍ رَقَّ قَلْبُهُ وَلَانَ بَعْدَ قَسْوَتِهِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُصْلَحُ بِهِ الْقَلْبُ : دُعَاءُ اللَّهِ وَسُؤَالُهُ الثَّبَاتَ ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» .
وَمِنْ أَسْبَابِ صَلَاحِ الْقَلْبِ مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ وَالْبُعْدُ عَنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ يَضْعُفُ وَيَقْسُو بِمُخَالَطَةِ أَهْلِ الْغَفْلَةِ ، وَيَقْوَى وَيَحْيَا بِمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ .
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُلِينُ الْقُلُوبَ : تَذَكُّرُ الْآخِرَةِ وَقِصَرُ الْأَمَلِ ؛ فَإِنَّ مَنْ تَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْحِسَابَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ : رَقَّ قَلْبُهُ ، وَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا ، وَاسْتَعَدَّ لِلِقَاءِ اللَّهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ؛ يَعْنِي : الْمَوْتَ .
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا ، وَزَكِّ نُفُوسَنَا ، وَطَهِّرْ سَرَائِرَنَا ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَأْتِيكَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِكَ ، وَلَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ .
عِبَادَ اللهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .