| الْحَجُّ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ وَأَنْظِمَةٌ ضَرُورِيَّةٌ إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ . أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ؛ عِبَادَ اللهِ : تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ ؛ أَنَّ الْحَجَّ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، أَوْجَبَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ مِنْ عِبَادِهِ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ ، الَّذِي مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ ، وَأَمِنَ الطَّرِيقَ ، وَكَانَ قَادِرًا بِبَدَنِهِ عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْعَظِيمَةِ . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . وَعَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ مَبْرُورًا ؛ فَإِنَّ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا ، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» . وَلَا يَكُونُ الْحَجُّ مَبْرُورًا إِلَّا إِذَا قَامَ عَلَى الْإِخْلَاصِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقْصِدُ الْحَاجُّ بِحَجِّهِ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَا طَلَبًا لِلدُّنْيَا ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . وَكَذَلِكَ يَحْرِصُ الْحَاجُّ أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ عَلَى هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَعِيدًا عَنِ الْبِدَعِ وَالْمُخَالَفَاتِ ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . عِبَادَ اللهِ : وَمِنْ تَمَامِ طَاعَةِ اللَّهِ فِي الْحَجِّ : الِالْتِزَامُ بِالتَّعْلِيمَاتِ وَالتَّنْظِيمَاتِ الَّتِي وُضِعَتْ لِحِفْظِ الْأَرْوَاحِ وَتَيْسِيرِ أَدَاءِ النُّسُكِ ، فَإِنَّ مُخَالَفَتَهَا سَبَبٌ لِلْفَوْضَى وَالْأَضْرَارِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . أَيُّهَا الْإخْوَةُ : وَمِنْ نِعَمِ اللَّهِ الْعَظِيمَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، أَنْ جَعَلَ مَشَاعِرَ الْحَجِّ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ ، الَّتِي سَخَّرَتْ إِمْكَانَاتِهَا ، وَبَذَلَتْ جُهُودَهَا ، لِخِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَقَاصِدِيهِمَا . وَلَوْ تَأَمَّلَ الْإِنْسَانُ حَالَ كَثِيرٍ مِنْ بُلْدَانِ الْعَالَمِ ، وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنِ اضْطِرَابٍ أَوْ ضَعْفٍ فِي الْخِدْمَاتِ وَالْأَمْنِ ، لَأَدْرَكَ عَظِيمَ مَا تَنْعَمُ بِهِ هَذِهِ الْبِلَادُ مِنْ أَمْنٍ وَتَنْظِيمٍ وَرِعَايَةٍ وَتَيْسِيرٍ لِلْحُجَّاجِ ، وَهِيَ نِعَمٌ تَسْتَوْجِبُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالدُّعَاءَ لِوُلَاةِ أَمْرِ هَذِهِ الْبِلَادِ بِالتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ . نَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَحْفَظَ بِلَادَنَا ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا ، وَأَنْ يُوَفِّقَ وُلَاةَ أَمْرِنَا لِكُلِّ خَيْرٍ ، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَ الْحُجَّاجِ حَجَّهُمْ ، وَأَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ ، إِنَّهُ قَرِيبٌ سَمِيعٌ مُجِيبٌ . أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ : اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ تَمَامِ تَعْظِيمِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْمُبَارَكَةِ : التَّحَلِّيَ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالْعَمَلَ بِالتَّنْظِيمَاتِ الضَّرُورِيَّةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْتِزَامُ الْحَاجِّ بِالسَّكِينَةِ وَالرِّفْقِ ، وَالْبُعْدُ عَنِ التَّدَافُعِ وَالْأَذَى ، وَالتَّقَيُّدُ بِالتَّنْظِيمَاتِ وَالتَّعْلِيمَاتِ ؛ فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«أَيُّهَا النَّاسُ ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . وَمِنَ الْوَاجِبِ أَيْضًا : الْعِنَايَةُ بِالْأَسْبَابِ الصِّحِّيَّةِ وَالْوِقَائِيَّةِ ، فَإِنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْعَظِيمَةِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، فَعَلَى الْحَاجِّ أَنْ يَلْتَزِمَ بِالتَّعْلِيمَاتِ الصِّحِّيَّةِ ، وَأَنْ يَأْخُذَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تُحَافِظُ عَلَى صِحَّتِهِ وَسَلَامَتِهِ . عِبَادَ اللهِ : وَاسْتَثْمِرُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ الْمُبَارَكَةَ بِالطَّاعَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَأَكْثِرُوا مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ ، وَاجْتَنِبُوا اللَّغْوَ وَمَا لَا يَنْفَعُ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ . اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَ الْحُجَّاجِ حَجَّهُمْ ، وَيَسِّرْ لَهُمْ نُسُكَهُمْ ، وَأَعِدْهُمْ إِلَى أَوْطَانِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ . اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا وَرَخَاءَهَا . اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ احْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا ، وَاسْتَعْمِلْ عَلَيْنَا خِيَارَنَا ، وَاجْعَلْ وِلَايَتَنَا فِي عَهْدِ مَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَتَوَفَّنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ . عِبَادَ اللهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .
|