شُكْرُ نِعْمَةِ الزَّوَاج
وَالحَذَرُ مِنْ أَسْبَابِ الفِرَاق
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ؛ عِبَادَ اللهِ:
تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ نِعَمَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لَا تَدُومُ إِلَّا بِالشُّكْرِ، بَلْ بِهِ تَزْدَادُ وَتَكْثُرُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾، وَيُوجَدُ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ مَنْ يَأْلَفُ نِعَمَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُصِيبُهُ مَرَضُ الْغَفْلَةِ عَنْ شُكْرِهَا، وَلَا يُدْرِكُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ فَقْدِهَا مِنْهُ وَزَوَالِهَا عَنْهُ، كَمْ مِنْ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، يَعِيشَانِ فِي أُسْرَةٍ يَصْدُقُ عَلَيْهَا قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾، فِي بَيْتٍ يَعْمُرُهُ الْحُبُّ وَتَغْمُرُهُ الْمَوَدَّةُ، وَلَكِنَّهُمَا - أَعْنِي الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ - لَمْ يُدْرِكَا مِقْدَارَ هَذِهِ النِّعْمَةِ إِلَّا بَعْدَ فَقْدِهَا، نَتِيجَةَ سُوءِ تَعَامُلٍ وَشِقَاقٍ وَفِرَاقٍ، وَأَخْلَاقٍ سَيِّئَةٍ لَا تُطَاقُ.
فَالزَّوَاجُ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى آيَةً مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وَلِأَهَمِّيَّتِهِ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ وَشِدَّةِ حَاجَةِ الْمَرْءِ لَهُ، وَعَدَمِ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾.
فَالزَّوَاجُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ لَا يُغْفَلَ عَنْ شُكْرِهَا، وَأَنْ لَا يُتَهَاوَنَ بِهَا، فَفِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدْ كَمُلَ نِصْفُ الدِّينِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي»، يَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ: وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ يُعِفُّ عَنِ الزِّنَا، وَالْعَفَافُ أَحَدُ الْخَصْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ضَمِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ، فَقَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَتَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ». الَّذِي بَيْنَ اللَّحْيَيْنِ: اللِّسَانُ، وَالَّذِي بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ: الْفَرْجُ.
وَلَا شَكَّ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ أَنَّ الْمَسْؤُولَ الْأَوَّلَ عَنْ شُكْرِ نِعْمَةِ الزَّوَاجِ، وَالِاهْتِمَامِ بِهَا، وَالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهَا، هُوَ الزَّوْجُ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ الصَّحِيحِ: «أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ»، «أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»، أَيْ: أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِنَّ، وَإِطْعَامِهِنَّ، وَكِسْوَتِهِنَّ، وَعِشْرَتِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَعَدَمِ ضَرْبِهِنَّ وَلَا تَقْبِيحِهِنَّ؛«فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ»، الْعَوَانِي جَمْعُ عَانِيَةٍ، أَيْ: أَسِيرَةٌ، وَشَبَّهَهُنَّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُنَّ عِنْدَ الرِّجَالِ وَيَتَحَكَّمُونَ فِيهِنَّ، وَهُنَّ يَخْضَعْنَ لِسُلْطَانِ الرِّجَالِ.
فَالزَّوْجُ هُوَ الْمَسْؤُولُ الْأَوَّلُ عَنْ بَيْتِهِ وَأُسْرَتِهِ وَزَوْجَتِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، فِي أَهْلِهِ، أَيْ: زَوْجَتِهِ وَغَيْرِهَا؛ رَاعٍ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ فِي النَّفَقَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، وَتَقْوِيمِهِمْ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
يُوجَدُ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ مَعَ الْأَسَفِ مَنْ يَسْتَغِلُّ قَوَامَتَهُ وَمَسْؤُولِيَّتَهُ بِإِهَانَةِ زَوْجَتِهِ أَوْ إِذْلَالِهَا أَوِ احْتِقَارِهَا، بَلْ بَعْضُهُمْ يَغْتَابُهَا وَيُشَوِّهُ صُورَتَهَا وَيُعْلِنُ بُغْضَهَا عِنْدَ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَزُمَلَائِهِ، وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا ظَاْلِمَاً ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّهَا أَسِيرَةٌ عِنْدَهُ - كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَبَعْضُ الْأَزْوَاجِ ـ وَهُمْ قِلَّةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ـ لِجَهْلِهِ وَضَعْفِ تَقْوَاهُ وَقِلَّةِ دِينِهِ، يَتَتَبَّعُ عَثَرَاتِ زَوْجَتِهِ، وَيَتَصَيَّدُ أَخْطَاءَهَا، وَيَغْفُلُ عَنْ حَسَنَاتٍ لَا يَقُومُ بِهَا لَهُ غَيْرُهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، فَيَنْبَغِي لِلزَّوْجِ قَبْلَ أَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَنْدَمُ عَلَيْهِ، قَدْ يَكُونُ شَيْئًا تَافِهًا لَا يُثِيرُ إِلَّا الْحَمْقَى وَضُعَفَاءَ الْعُقُولِ، عَلَيْهِ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ زَوْجَتَهُ طَاهِيَةُ طَعَامِهِ، مُرَبِّيَةُ أَوْلَادِهِ، غَاسِلَةُ ثِيَابِهِ، قَاضِيَةُ حَاجَتِهِ.
وَلِهَذَا يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ»، وَالْفَرْكُ: الْبُغْضُ وَالْكُرْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ هُنَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ.
وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ .
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». قَالُوا: يَعْنِي: أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى هَذَا الِاعْوِجَاجِ، فَيَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِنَّ، وَحُسْنُ مُعَاشَرَتِهِنَّ مَعَ ذَلِكَ.
وَلَا شَكَّ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ أَنَّ الزَّوْجَةَ تَقَعُ عَلَيْهَا أَيْضًا مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا»، فَيَجِبُ عَلَيْهَا شُكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعْمَةِ الزَّوَاجِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً فِي نَفْسِهَا، مُطِيعَةً لِرَبِّهَا، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ».
فَمِنْ وَاجِبَاتِ الزَّوْجَةِ شُكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعْمَةِ الزَّوَاجِ، بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ وَوَاجِبَاتِ زَوْجِهَا، تَكُونُ عَوْنًا لَهُ، لَا تُحَمِّلُهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَلَا تُكَلِّفُهُ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَلَا تَكُونُ أَنَانِيَّةً لَا هَمَّ لَهَا إِلَّا نَفْسُهَا، وَأَنْ تَحْذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ رَفِيقَةَ السُّوءِ وَجَلِيسَةَ الشَّرِّ، الَّتِي الْعِنَايَةُ بِزَوْجِهَا وَبَيْتِهَا آخِرُ اهْتِمَامَاتِهَا، وَمِيزَانُهَا: إِمَّا السَّهَرُ وَالسَّفَرُ وَالْمَقَاهِي وَالْأَسْوَاقُ، أَوِ الْخُلْعُ وَالْفَسْخُ وَالطَّلَاقُ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ». وَلَيْسَ مِنَ الْبَأْسِ سَهْرَةٌ فِي اسْتِرَاحَةٍ، أَوْ حُضُورُ حَفْلَةِ صَدِيقَةٍ، أَوْ جَوَّالٌ حَدِيثٌ، أَوْ سَيَّارَةٌ فَارِهَةٌ، أَوْ أَثَاثٌ فَخْمٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَالطَّلَاقُ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ أَمْرٌ لَا يَنْبَغِي التَّسَرُّعُ فِيهِ، وَلَيْسَ حَلًّا لِبَعْضِ الْمَشَاكِلِ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ، وَمِنْهَا الزَّوَاجُ، وَمِنْ شُكْرِهِ الْقِيَامُ بِوَاجِبَاتِهِ وَتَأْدِيَةُ حُقُوقِهِ، فَبِالشُّكْرِ تَدُومُ النِّعَمُ.
أَلَا وَصَلُّوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، فَقَالَ جَلَّ مَنْ قَائِلٍ عَلِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ، يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً». فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ، وَتَابِعِي التَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ وَرَحْمَتِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَاسْتَعْمِلْ عَلَيْنَا خِيَارَنَا، وَاجْعَلْ وِلَايَتَنَا فِي عَهْدِ مَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾.
عِبَادَ اللهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ عبيد الطوياوي تجدها هنا: