مُؤَشِّرَاتُ الشَّرِّ
وَعَلَامَاتُ الْخَطَرِ فِي الْأُسَرِ
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ؛ عِبَادَ اللهِ:
تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ عِبَاْدِهِ اَلْمُتَّقِيْن .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ ، فَمَا أَجْمَلَ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ذُرِّيَّتُهُ؛ فَيَجْمَعُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ اَلْقِيَاْمَةِ فِي مَنَازِلِهِمُ الْعَالِيَةِ فِي الْجَنَّةِ، الَّتِي فِيهَا: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
أَخِي الْمُسْلِمَ :
إِنَّ اسْتِقَامَتَكَ وَأُسْرَتَكَ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَصَلَاحَ ذُرِّيَّتِكَ مَعَكَ، مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ اللَّازِمَةِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، لِلنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ، فَيَنْبَغِي لَكَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَخَافَ عَلَى ذُرِّيَّتِكَ مِنْ كُلِّ مَا يُضْعِفُ إِيمَانَهُمْ، أَوْ يُفْسِدُ أَخْلَاقَهُمْ، أَوْ يَصُدُّهُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ:
عِنْدَمَا تَتَسَارَعُ نَبَضَاتُ قَلْبِكَ، أَوْ تَشْعُرُ بِدُوَارٍ فِي رَأْسِكَ، أَوْ غَثَيَانٍ فِي مَعِدَتِكَ، فَإِنَّكَ لَنْ تُهْمِلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُؤَشِّرُ خَطَرٍ، وَعَلَامَةُ مَرَضٍ، وَفَقْدُ صِحَّةٍ، وَهُنَاكَ عَلَامَاتٌ وَدَلَالَاتٌ وَمُؤَشِّرَاتٌ، إِذَا وُجِدَتْ فِي الْأُسْرَةِ، وَانْتَشَرَتْ فِي الْعَائِلَةِ، فَفِيهَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَنِ، وَكُلَّمَا أُهْمِلَتْ وَتُرِكَتْ تَفَاقَمَ شَرُّهَا، وَعَظُمَ خَطَرُهَا، وَاتَّسَعَ أَثَرُهَا، وَقَدْ يَرَاهَا بَعْضُهُمْ هَيِّنَةً، وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَظِيمَةٌ:
مِنْهَا - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - التَّهَاوُنُ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ يُنَادِي لِلصَّلَاةِ، وَلَا يُحَرِّكُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ سَاكِنًا، فَهَذَا مُؤَشِّرُ شَرٍّ، وَعَلَامَةُ خَطَرٍ، وَدَلِيلُ فَسَادٍ وَانْحِرَافٍ وَضَيَاعٍ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»، وَلَا شَكَّ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - أَنَّ مَسْؤُولِيَّةَ ذَلِكَ تَقَعُ عَلَى رَبِّ الْأُسْرَةِ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾.
فَشَأْنُ الصَّلَاةِ شَأْنٌ عَظِيمٌ، يُخْشَى عَلَى مَنْ تَهَاوَنَ بِهَا أَوْ تَكَاسَلَ عَنْهَا النِّفَاقُ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
وَمِنْ مُؤَشِّرَاتِ الْخَطَرِ وَعَلَامَاتِ الشَّرِّ فِي الْأُسَرِ؛ التَّهَاوُنُ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ وُجُودُ الْمُنْكَرَاتِ، وَتَرْكُ الْوَاجِبَاتِ، وَفِعْلُ الْمُحَرَّمَاتِ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ضَعْفِ الْإِيمَانِ وَفَقْدِ التَّقْوَى، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ، وَيَقُولُ : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».
وَمِنَ الْمُؤَشِّرَاتِ الْخَطِيرَةِ فِي الْأُسْرَةِ: غِيَابُ الْقُدْوَةِ، وَالتَّنَاقُضُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَالْأَبِ الَّذِي - أَعَزَّكُمُ اللَّهُ - يُدَخِّنُ، أَوْ يَكْذِبُ، أَوْ يَعِدُ وَيُخْلِفُ، أَوْ يَسْهَرُ خَارِجَ الْبَيْتِ، أَوْ لَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، وَيَنْهَى أَبْنَاءَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَكَالْأُمِّ الَّتِي تَنْهَى بَنَاتِهَا عَنِ التَّبَرُّجِ وَالتَّعَرِّي وَالسُّفُورِ، وَالْخَلْوَةِ بِالرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، وَهِيَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ . فَالْأَبْنَاءُ يَتَعَلَّمُونَ بِالْأَفْعَالِ قَبْلَ الْأَقْوَالِ، وَبِالْقُدْوَةِ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ .
وَمِنْ مُؤَشِّرَاتِ الشَّرِّ وَعَلَامَاتِ الْخَطَرِ فِي الْأُسَرِ: التَّفَرُّقُ وَعَدَمُ التَّآلُفِ، وَحُبُّ الْوَحْدَةِ وَكَرَاهِيَةُ الِاجْتِمَاعِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، هُمْ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَتَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ قُلُوبُهُمْ شَتَّى، أَجْسَادُهُمْ مُجْتَمِعَةٌ وَلَكِنْ قُلُوبُهُمْ مُتَفَرِّقَةٌ، كُلٌّ فِي غُرْفَتِهِ مَعَ جِهَازِهِ، لَا يَجْلِسُونَ مَعَ بَعْضِهِمْ، وَلَا يَأْكُلُونَ مَعَ بَعْضِهِمْ، وَلَا يَرْتَاحُونَ لِبَعْضِهِمْ، وَهَذَا مُؤَشِّرُ خَطَرٍ وَنَذِيرُ شَرٍّ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ .
وَمِنَ الْمُؤَشِّرَاتِ الْخَطِيرَةِ، الدَّالَّةِ عَلَى انْحِرَافِ الْأُسْرَةِ، وَضَلَالِ أَفْرَادِهَا: هَجْرُ الْقُرْآنِ وَقِلَّةُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ: مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ » .
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
وَمِنْ مُؤَشِّرَاتِ الشَّرِّ، وَعَلَامَاتِ الْخَطَرِ فِي الْأُسَرِ: شُيُوعُ الْخُصُومَاتِ وَالْخِلَافَاتِ، وَالْهَجْرِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، وَتَحَزُّبُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالتَّلَفُّظُ بِالْأَلْفَاظِ الْبَذِيئَةِ، وَالسَّبِّ، وَالشَّتْمِ، وَاللَّعْنِ، وَالدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ أَوِ الْمَرَضِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَمَتَى ظَهَرَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِي أُسْرَةٍ، فَهِيَ نَذِيرُ خَطَرٍ، وَدَلِيلُ خَلَلٍ، يَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى عِلَاجِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَفْحِلَ شَرُّهُ ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ». وَيَقُولُ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ آخَرَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ».
وَمِنَ الْمُؤَشِّرَاتِ أَيْضًا - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - الِاهْتِمَامُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْآخِرَةِ، فَالْأَبُ الَّذِي يَغْضَبُ مِنْ تَدَنِّي دَرَجَاتِ ابْنِهِ فِي دِرَاسَتِهِ، وَلَا يَضِيرُهُ قَزَعُهُ، وَلَا إِبْدَاءُ عَوْرَتِهِ، وَعَدَمُ اسْتِقَامَتِهِ، وَالْأُمُّ الَّتِي تَهْتَمُّ بِمَظْهَرِ ابْنَتِهَا، وَلَا تَهْتَمُّ بِدِينِهَا، وَلَا بِاسْتِقَامَتِهَا؛ فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى انْحِرَافِ الْأُسْرَةِ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالْمَنْهَجِ السَّلِيمِ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ .
هَذِهِ بَعْضُ مُؤَشِّرَاتِ الشَّرِّ وَعَلَامَاتِ الْخَطَرِ فِي الْأُسَرِ، يَنْبَغِي الْحَذَرُ مِنْهَا، وَعَمَلُ الْأَسْبَابِ الْوَاقِيَةِ عَنْهَا، وَ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، ﴿قُو أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ ، عَظِّمُوا شَأْنَ الصَّلَاةِ فِي أُسَرِكُمْ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ، احْذَرُوا التَّهَاوُنَ بِالْمُحَرَّمَاتِ، وَارْتِكَابَ الْمُنْكَرَاتِ، وَتَرْكَ الْوَاجِبَاتِ، كُونُوا قُدْوَاتِ خَيْرٍ لِبَعْضِكُمْ، لَا قُدْوَاتِ شَرٍّ تَحْمِلُونَ أَوْزَارَكُمْ وَأَوْزَارَ مَنِ اقْتَدَى بِكُمْ، وَ:
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتَى
فَأَكثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
اسْتَعِينُوا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَكْثِرُوا مِنْ دُعَائِهِ : ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ .
أَلَا وَصَلُّوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ، وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ يَقُولُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ، لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْزِهِمَا خَيْرَ الْجَزَاءِ عَلَى مَا يُقَدِّمَانِهِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْ بِهِمَا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَأَدِمْ عَلَى بِلَادِنَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا وَرَخَاءَهَا، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبَادَ اللهِ:
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ عبيد الطوياوي تجدها هنا: