رَغِمَ
أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ ثُمَّ انْسَلَخَ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ،
وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ
يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ
أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ
تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعد،
عِبادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تعالى وآمِنُوا بِرَسولِه، واعلمُوا أن فَضْلَ اللهِ واسِع،
وَدِينَهُ شامِلٌ جامِع. وقَدْ أَنزلَ كِتابَه تِبيانًا لِكُلِّ شيء، وأَعْطَى
رَسولَه صلى اللهُ عليه وسلم جَوَامِعَ الكَلِم، لِتَنْهَلُوا مِن سُنَّتِه،
وتَأخُذُوا مِن مِشْكاتِه ما فِيهِ صَلاحُ أَمْرِ دِينِكُم ودُنْياكُم دُونَ
عَناءٍ.
وَمِنْ
جوامِعِ كَلِمِهِ صلى اللهُ عليه وسلم، قَولُه: ( رَغِمَ
أَنْفُ رجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ
دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ
أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَواهُ الكِبَرَ، فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ
).
فَهذا حديثٌ عَظيمٌ وَجِيزٌ قَلِيلُ
الأَلْفاظِ، لَكِنَّه واسِعُ الْمَعْنى، كثيرُ الفوائِدِ لِمَن تَأَمَّلَه. ومَعْنَى رَغِمَ أَنْفُ: أيْ خابَ وَخَسِرَ وَذَلَّ
وَلَصِقَ أَنْفُهُ بِالتُرابِ. وَهذا دُعاءٌ بِالخَيْبَةِ والخَسارَةِ والذُّلِّ
والهَوانِ، عَلَى مَنْ فَرَّطَ في هذِهِ الخِلَالِ الثَّلاثِ:
أَوَّلُها: الصَّلاةُ عَلَى النبيِّ صلى
اللهُ عليه وسلم عِنْدَ ذِكْرِهِ، لِأَنَّ في الصَّلاةِ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ
بِإعْلاءِ ذِكْرِهِ، وإِظْهارِ سُنَّتِهِ ودِينِهِ، وَتَذْكِيرًا لِلنَّفْسِ
وَلِلنَّاسِ بِأَهَمِّيَّةِ الثَّناءِ عَلَيْهِ، ومَحَبَّتِهِ واتِّباعِهِ. فَهُوَ
أَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَصاحِبُ المَقامِ
الْمَحْمُودِ، وَلِأَنَّ الفَلاحَ مَحْصُورٌ عَلى اتِّباعِهِ، وَلِأَنَّ الصَّلاةَ
عَلَيْهِ، سَبَبٌ لِرِفْعَةِ الدَّرجاتِ، وَتَكْفِيرِ السِّيِّئاتِ، وَزِيادَةِ
الحَسَناتِ، ونَيْلِ شَفاعَتِهِ في الآخِرَةِ. وَزِيادَةً عَلَى ذلك: أَنَّ مَنْ صَلَّى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم صلاةً
واحِدَةً، صلى اللهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا. وَاعْلَمْ أَيُّها الْمُسْلِمُ:
أَنَّ أَوْلَى الناسِ بِالنبيِّ صلى اللهُ عَلَيْهِ
وسلم يَوْمَ القِيامَةِ، أَكْثَرُهُمْ عَلَيْهِ صَلاةً.
وَمَعْنَى الصلاةِ
عَلَى النبيِّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلم: ثَناءُ اللهُ عليهِ، وَرَفْعُ
ذِكْرِهِ في الْمَلَإِ الأَعْلَى. فَأَنْتَ بِذلِكَ تَدْعُو اللهَ أَنْ يُثْنِيَ
عَلَيْهِ وَيَرْفَعَ ذِكْرَهُ في الْمَلَإِ الأَعْلَى.
والثَّانيَةُ: ( رَجُلٍ
دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ ):
لأنَّ اللهَ تعالَى قَدْ يَسَّرَ لَهُ جَمِيعَ فُرَصِ الْمَغفِرةِ، وفَتَحَ لَهُ
أبوابَ الخَيْرِ ويَسَّرَها. فالفُرَصُ تُلاحِقُهُ مِنْ أوَّلِ أيامِ رمضانَ
ولَيالِيه، إلى أَنْ يُرَى هِلالُ العِيدِ. فَإِنَّ ( مَنْ
صامَ رَمَضانَ إِيمانًا واحْتِسابًا، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ).
فَإِنْ حَصَلَ مِنْه تَقصِيرٌ في عِبادةِ الصيامِ، فالفُرَصُ لَا تَزَالُ قائِمَةً
مُسْتَمِرَّةً، لِأَنَّ ( مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا
واحْتِسابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ). فَإِنْ حَصَلَ
منه غَفْلَةٌ وتَقْصِيرٌ، فالفُرَصُ لَا تَزالُ قائِمَةً مُسْتَمِرَّةً، لِأَنَّ (
مَنْ قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا،
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ). فإنْ حَصَلَ مِنْه تَقْصِيرٌ
وَغَفْلَةٌ، فَإِنَّ الفُرَصَ لا تَزَالُ قائِمَةً مُسْتَمِرَّةً، لِأَنَّ
الصائِمَ دُعاؤُهُ مُسْتَجابٌ، وَكَذَلِكَ ( فَإِنَّ
لِله عُتَقاءَ مِن النارِ وَذلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ).
ويُضافُ إلى ذلك كُلِّه: دُعاءُ الْمسلمينَ
في قُنُوتِهِم، فَإِنَّهُمْ لا يَغفَلُونَ عنَ الدُّعاءِ لِعُمُومِ الْمسلمين. فالشَّخْصُ
الذي يُدْرِكُهُ رمضانُ مَعَ هذِه الفُرَصِ كُلِّها ثُمَّ يَنْسلِخُ ولَمْ
يُغْفَرْ لَه، عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، لِأَنَّ النبيَ صلى اللهُ عليه وسلم دَعَا
عَلَيْهِ بالخَيْبَةِ والخَسارَةِ.
فاحْذَرْ أيُّها المسلمُ من التَهاوُنِ،
حَتَّى لَوْ مَضَى نِصْفُ الشَّهْرِ، فَإِنَّ الفُرَصَ لا تَنْقَضِي، والأعمالُ
بالخَواتِيم. وَإيَّاكَ يا عَبْدَ اللهِ أَنْ تَفْتَحَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْكَ
بابًا يَنْفُذُ إِلَيْكَ مِنْه، فَتَيْأَسُ مِنْ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ الحالِ،
وَتَضْعُفُ عَنْ الطَّاعَةِ والإِقْبالِ عَلى اللهِ.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي
وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا
تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ
ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ
للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن
لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً
عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمّا
بَعدُ:
عِبادَ
اللهِ: الشَّخْصُ الثالِثُ في الحَدِيثِ: ( رَجُل
أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَواهُ الكِبَرَ, فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ ):
وَبِرُّ الوَالِدَين يا عِبادَ اللهِ، مِنْ أَعْظَمِ الحُقُوقِ، بِلْ هُوَ الحَقُّ
الثانِي بَعْدَ الأَمْرِ بِعِبادَةِ اللهِ، وَهُوَ واجِبُ مُتَحَتِّمٌ عَلَى
العَبْدِ حَالَ كِبَرِ الوَالِدَينِ وَحالَ شَبابِهِمَا. وَلَكِنَّه يَتَأَكَّدُ
حالَ الكِبَرِ، لِثَلاثَةِ أَسْبابِ:
أَوَّلُها:
رَدُّ الجَمِيلِ والإِحْسانِ، لِأَنَّهُما في حالِ شَبابِهِمَا وَنَشاطِهِما
رِبَّياه وَأَحْسَنَا إلَيْهِ.
الثانِي: أَنَّهُما في حالِ الكِبَرِ
تَضْعُفُ أَبْدانُهُما عَنْ القِيامِ بِمَصالِحِهِما وَما يَحْتاجانِهِ، بَلْ قَدْ
تَتَعَطَّلُ أُمُورُهُمَا بِدُونِ رِعايَةِ واهْتِمامِ، بِخِلافِ أيَّامِ
الشَّبابِ، فَإِنَّهُما أَقْوَى مِن الوَلَدِ وأَكْثَرُ نَشاطًا.
الثالِثُ: أَنَّهُمَا في حالِ الكِبَرِ،
يَجْتَمِعُ فِيهِمَا ضَعْفُ البَدَنِ والسَّمْعِ والبَصَرِ، وَقَدْ يُصاحِبُ ذلكَ
كَثْرَةُ الانْفِعالِ واللَّوْمِ والعِتابِ والتَضَجُّرِ. فَيَحْتاجَانِ إلى
صَبْرٍ وَحِلْمٍ وَرَحْمَةٍ وَمُلازَمَةٍ وَمُداراةِ وَتَودُّدٍ وَكَلامٍ لَطِيفٍ،
وَبُعْدٍ عَن التَضَجُّرِ والتَّأَفُّفِ. وَقَدْ أشَارَ اللهُ تَعالى إلى هذِهِ
الأُمُورِ الثلاثَة بِقَوْلِهِ: ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا
تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ
الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
). فاحْذَرْ أَيُّها المُسْلِمُ أَنْ تَمِيلَ عَن الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إلى
الجَنَّةِ بَتَضْيِيعِ حَقِّ والِدَيْكَ، خُصًوصًا عِنْدَ كِبَرِ سِنِّهِمَا.
اللَّهُمَّ
إنَّا نَسْأَلُكَ مُعافاتِكَ والثَّباتَ عَلى دِينِكَ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى
ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ، اللَّهُمَّ استَعْمِلنا في طَاعَتِك،
وثَبِّتْنا على دَينِك، وارزقْنَا الإخلاصَ في أقوالِنا وأعمالِنا، وخَلِّصْنا مِن
حقوقِ خلقِك، وباركْ لنا في الحلالِ مِن رِزقِك وتوفَّنَا مُسلِمِين وألْحِقْنا
بالصَّالِـحينَ، اللهُمَّ احفظْنا بالإِسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإِسلامِ قاعدِين
واحفظْنا بالإِسلامِ راقدِين ولا تُشْمِتْ بِنا أَعداءَ ولا حَاسِدِينَ، اللهُمَّ
أصلحْ أحوالَ الْمُسلمينَ حُكَّاماً ومحكُومين، اللهُمَّ اجمعْ كلمةَ الْمُسلمين
على كتابِك وسُنَّةِ نبيِّك محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، اللهُمَّ احِقنْ دماءَ
الْمُسلِمِين، واجعلْ كلمتَهم واحدةً ورايتَهم واحدةً واجعلْهُم يداً واحدةً
وقوَّةً واحدةً على مَنْ سِواهُم، ولا تجعلْ لأعدائِهم مِنَّةً عليهم يا قويُّ يا
عزيزُ، اللهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ
وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين، اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ،
اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ
يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِمَّنْ يكيدُ
لها في داخِلِها وَخَارِجِهَا، وأَعِذْهَا مِن شرِّ الأشرارِ وكَيْدِ الفُجَّارِ،
اللهُمَّ وَفِّقْ ولاةَ أمرِنا بتوفيقِك، وأيِّدْهم بتأييدِك، واجعلهم مِن أنصارِ
دينِك، وارزقْهُم البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ
اغفرْ للمُسلِمينَ والْمُسلِماتِ والْمُؤمِنينَ والْمُؤمِناتِ الأحياءِ منهم
والأمواتِ ، إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدَّعَواتِ، (وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).
وللمزيد من الخطب السابقة عن شهر رمضان تجدها هنا :
http://www.islamekk.net/catplay.php?catsmktba=132
|