قِصَرُ الأَمَلُ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعدُ:
عِبادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعالى، واسْتَعِدُّوا قَبْلَ الْمَوْتِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، واعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَفاتِيحِ الاسْتِعْدادِ
لِلْآخِرَةِ: قِصَرَ الأَمَلِ، لِمَا فِيهِ مِن اليَقِينِ بِزَوالِ
الدُّنْيا وَهَوَانِها وَسُرْعَةِ فَنائِها، وَقُرْبِ الرَّحِيلِ عَنْها،
والانْتِقالِ إلى الآخِرَةِ. فَهُوَ ضِدُّ طُولِ الأَمَلِ، وَمِفْتاحُ خَيْرٍ
لِلْعَبْدِ، وَبابٌ مِنْ أَبْوابِ الزُّهْدِ.
وَقَدْ
دَلَّ القُرْآنُ عَلَى أَهَمِّيَّةِ قِصَرِ الأَمَلِ، وَذَكَرَ اللهُ
فِي ذلكَ مَا يُنَفِّرُ مِن الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا والتَعَلُّقِ بِها، قال
تَعالَى: ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ
وَالْأَوْلادِ ). فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْصافٍ كُلُّها لَيْسَتْ بِشَيْءٍ:
لَعِبٌ، وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ، وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكاثُرٌ فِي الأمْوالِ
والأولادِ.
وَمَثَلُ هذِهِ
الأشياءِ الخَمْسَةِ: ( كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ
الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا
)، أَيْ يَزُولُ وَيَنْتَهِي، هَذِهِ هِيَ الحَيَاةُ الدنيا، واعْتَبِرْ
ذَلِكَ فِي واقِعِكَ، كَمْ مِنْ أُناسٍ عِشْتَ مَعَهُمْ، وَعاشُوا فِي هذِهِ
الدنيا عِيشَةً راضِيَةً، وَفِي رَفَاهِيَةٍ وَأُنْسٍ وَأَوْلادٍ وَزَوْجاتٍ
وَسَيَّاراتٍ، ثُمَّ انْتَقَلُوا عَنْها، كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا بِالأَمْسِ
يَعِيشُونَ فِيها آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ، وَكَأَنَّهْمْ لًمْ يَسْتَمْتِعُوا
فيها لَحْظَةً.
وَقالَ تَعالَى:
( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ
فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ).
وَقَدْ
وَرَدَ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عَليه وسلم ما يَحُثُّ عَلَى
أَهَمِّيَّةِ قِصَرِ الأَمَلِ، والتَّأْكِيدِ عَلَى ذلك بِمَا يَشْفِي وَيَكْفِي،
قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ( مَالِي
وَلِلدُّنيا، مَا أَنَا إلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ راحَ
وتَرَكَها ). وَثَبَتَ في صَحِيحِ البخاريِّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابنِ مَسعودٍ
رضي اللهُ عَنْهُ، ( أَنَّ النبيَّ صلى اللهُ خَطَّ
خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا في وَسَطِهِ خارِجًا مِنْه، ثُمَّ بَيَّنَ
أَنَّ الخَطَّ الْمُرَبَّعَ هُوَ أَجَلُهُ الْمُحِيطُ بِهِ، وأَنَّ الخَطَّ
الخارِجَ مِنْه، هُوَ أَمَلُهُ )، والسَّبَبُ في رَسْمِ ذلك، هُوَ الحَثُّ
عَلَى قِصَرِ الأَمَلِ، والاسْتِعْدَادُ لِبَغْتَةِ الأَجَلِ. لِأَنَّهُ يُحِيطُ
بِالإنْسانِ مِنْ كُلِّ جانِبٍ، وَيَحُولُ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ كَثِيرٍ
مِمَّا يُؤَمِّلُهُ، وَلِذلكَ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهُما: (
كُنْ في الدُّنيا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أو عابِرُ
سَبِيلٍ ). فَكانَ عَبْدُ اللهِ بَعْدَ ذلك يَقُول: " إذا أَصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِر الْمَساءَ، وإذا أَمْسَيْتَ
فَلا تَنْتَظِر الصباح ".
فَيَنْبَغِي لِكُلِّ واحِدٍ مِنَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ هَذِهِ
الوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ، وأَنْ
يَكُونَ في الدنيا كأَنَّهُ غَرِيبٌ أو عابِرُ سَبِيلٍ، إذا أصْبَحَ فَلَا
يَأْمَنُ مُفارَقَةَ الدنيا قَبْلَ الْمَساءِ، وإذا أَمْسَى فَلَا يَأْمَنُ
مُفَارَقَةَ الدنيا قَبْلَ الصبَاحِ. كُنْتَ تَمْشِي عَلَى ظَهْرِ الأَرضِ، ثُمَّ
لَمْ تَلْبَثْ أَنْ وَسَّدَكَ أَحْبابُكَ التُّرابَ ثُمَّ وَلَّوا عَنْكَ
مُدْبِرِين، لَمْ يَبْقَ مَعَكَ إلا ما قَدَّمْتَ مِن خَيْرٍ أَو شَرٍّ. وَأَمَّا
مَا سِوَاه فَقَد تَرَكْتَه كُلَّه - مالُكَ وزوجتُكَ وأولادُكَ وأحبابُك - فَيَا
لَها مِن نِهايةٍ كُلُنا مُؤْمِنُونَ بها، ولَكِنَّنا في غَفْلَةٍ عَن قُرْبِها.
مَع العِلمِ أَنَّ تَذَكُّرَها مِن أَعْظَمِ ما يُعِينُ العَبْدَ على إصلاحِ حالِه مَعَ
اللهِ ومَعَ عبادِ اللهِ. فَهِيَ مِن أَكْبَرِ ما يُعِينُ العَبْدَ على الْمُحافظةِ
عَلَى الصلاةِ مَع الجَماعَةِ، وأَداءِ الزكاةِ، وبِرِّ الوالِدَين، ومُحاسَبَةِ
النَّفْسِ، وحِفْظِ الفَرْجِ، والبُعْدِ عن أَكْلِ الحَرامِ، واجْتِنابِ الظُّلْمِ،
والتَّحَلُّلِ مِن حُقُوقِ النَّاسِ، وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، ونَبْذِ الخُصُوماتِ
والقَطِيعَةِ التي أَفْسَدَت القُلُوبَ، وفَرَّقَت بَيْنَ القَرِيبِ والجارِ
والصَّدِيق.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي
وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا
تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ
ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين، وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين، وَلا
عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين، وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا
شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَليْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أما بعد:
عِبادَ
اللهِ: إنَّ مِنْ أَعْظَمِ ما يَتَعَلَّقُ بِقِصَرِ الأَمَلِ، الحِرْصَ عَلَى بَراءَةِ الذِّمَّةِ مِن الحُقُوقِ
الواجِبةِ، سَواءً كانَ ذلكَ في حَقِّ اللهِ، أَوْ حَقِّ الْمَخْلُوقِ. لِأَنَّها
دُيُونٌ يَجِبُ قَضاؤُها.
فالحَقُّ
الأَوَّلُ حَقُّ اللهِ: كالزَّكاةِ
وَكَفَّارةِ اليَمينِ وكَفَّارَةِ النَّذْرِ والجِماعِ في نَهارِ رَمَضانِ،
وَقَضاءِ رَمَضانَ.
والحُقُّ
الثانِي حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ: كالدُّيُونِ،
والأَمْوالِ الْمَغْصُوبَةِ والْمَسْرُوقَةِ، والنَّفَقَةِ الواجِبَةِ
لِلزَّوْجَةِ والأَوْلادِ كُلٌّ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ واسْتِطاعَتِهِ.
وإِنَّ مِن
الحُقُوقِ التي يَتَهاوَنُ فِيها بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: قَضاءَ رَمَضانَ. والذي يَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَعْلَمَهُ،
أَنَّه لا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ تَرْكُ قَضاءِ رَمَضانَ الْمَاضِي إلى أنْ
يُدْرِكَهُ رَمَضانُ الآخَرُ بِدُونِ عُذْرٍ.
وإِنَّ مِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أَنَّنا نَسْمَعُ مِن بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ
التَّهاوُنَ في ذلكَ، مَعَ
العِلْمِ أَنَّ اللهَ تعالى، وَسَّعَ عَل الناسِ في ذلك، وَجَعَلَ القَضاءَ
مُوَسَّعًا طِيلَةَ السَّنَةِ، مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضانُ الآخَرُ.
والْمُسلِمُ في فُسْحَةٍ مِن أَمْرِهِ،
يَخْتارُ ما شاءَ مِن الأَيَّامِ في فُصُولِ السَّنَّةِ، خُصُوصًا في أَيَّامِ
الشِّتاءِ لِبُرُودَتِهِ وَقِصَرِ نَهارِهِ. وَمَعَ ذلكَ نَجِدُ مَنْ يَتَهاوَنُ
في القَضاءِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
فاتَّقُوا اللهَ أَيُّها الْمُسْلِمُونَ،
وتَذَكَّرُوا الْمَوْتَ وَما بَعْدَه، واسْتَعِدُّوا لِذلكَ، وَتُوبُوا إلى الله
جَمِيعًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
اللَّهُمَّ
لاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ
تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ
أَعْمَارِنَا آخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا
يَوْمَ لِقَائِكَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ،
وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ
أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا
دُنْيَانَا الّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الّتِي
إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلْ الحَيَاةَ زِيَادةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ،
وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ
الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ،
وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين، اللهُمَّ
ارفعِ البلاءَ عن الْمستضعفينَ من الْمؤمنين في كلِّ مكانٍ، اللهُمَّ احِقن دماءَ
الْمُسلِمِين، اللهُمَّ انصرْ عبادَك الْمُؤمنين في كلِّ مكانٍ يا ربَّ
العَالَمِين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِن كيدِ الكائدينَ وعُدْوانِ الْمُعتدينَ،
اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمرِنا بِتَوفِيقِك، وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك،
وَاجْعَلْهُم مِن أَنصَارِ دِينِك، وَارْزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ النَّاصِحةَ
يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ،
وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأحْيَاءِ مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ
سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، (وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) .
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق
تجدها هنا :
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119