|
تَحْذِيرُ الْمُفْسِدِينَ فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ . أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ؛ عِبَادَ اللهِ : تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ،جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ . أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ ، وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ . يَقُولُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَسْكَنَهُ وَوَالِدِينَا فَسِيحَ جَنَّاتِهِ : الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ نَوْعَانِ ، أَحَدُهُمَا : الْإِفْسَادُ الْحِسِّيُّ الْمَادِّيُّ ؛ وَذَلِكَ بِهَدْمِ الْبُيُوتِ وَإِفْسَادِ الطُّرُقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْإِفْسَادِ : الْإِفْسَادُ الْمَعْنَوِيُّ ، يَعْنِي : فِعْلَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَسَادُ ، وَذَلِكَ بِالْمَعَاصِي ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ أَكْبَرِ فَسَادِ الْأَرْضِ . إلَى آخِرِ كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ . فَالْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ بِأَنْوَاعِهِ وَأَشْكَالِهِ ؛مُحَرَّمٌ شَرْعًا ،وَمَنْبُوذٌ طَبْعًا ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَفْعَلُهُ ؛إلَّا مَنْ ضَعُفَ إيمَانُهُ وَخَفَّتْ تَقْوَاهُ وَقَلَّ دِينُهُ وَفَسَدَتْ مَبَادِئُهُ وَأَخْلَاقُهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ فَسَادٍ حِسِّيٍّ مَادِّيٍّ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ ، وَفِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَزُورُهَا النَّاسُ ، كَالْمُنْتَزَهَاتِ وَالْحَدَائِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَمِنَ الْمُؤْسِفِ ، أَنْ تَرَى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ ؛ الْمُخَلَّفَاتِ الْمُتَرَاكِمَةَ ، وَبَقَايَا الْأَطْعِمَةِ ، بَلْ مَا هُوَ أَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ جُعِلَتْ مَكَبَّاتٍ لِلنُّفَايَاتِ ، وَحَاوِيَاتٍ لِلْمُخَلَّفَاتِ وَالْمُخَالَفَاتِ ، كَأَنَّهَا لَمْ تُجْعَلْ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلِمَصْلَحَةِ الْمُوَاطِنِينَ وَالْوَافِدِينَ ، يَتَأَذَّى مِنْهَا مَنْ هُوَ بِحَاجَةٍ لِخِدْمَاتِهَا ، وَيَسْتَاءُ مِنْهَا مَنْ يَزُورُهَا لِيَتَمَتَّعَ بِمَنَافِعِهَا ، ذَلِكَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ضَعْفِ الْإِيمَانِ بَلْ وَقِلَّةِ الْوَعْيِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « الإِيمَانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا : قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا : إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ » . فَأَقَلُّ أَعْمَالِ الْإِيمَانِ هُوَ تَنْحِيَةُ الْأَذَى وَإِبْعَادُهُ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَذَى : كُلُّ مَا يُؤْذِي ؛ مِنْ حَجَرٍ ، أَوْ شَوْكٍ ، أَوْ غَيْرِهِ . فَإِذَا كَانَ رَفْعُ الْأَذَى عِبَادَةً وَقُرْبَةً أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ يَضَعُ الْأَذَى بِيَدِهِ ، وَيَتْرُكُ الْقَذَرَ وَالْمُخَلَّفَاتِ خَلْفَهُ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ غَيْرَ مُبَالٍ بِمَا أَحْدَثَهُ مِنْ ضَرَرٍ وَأَذًى ؟! وَقَدْ يَكُونُ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ بَالِغَةَ الضَّرَرِ ، كَالْمَوَادِّ الْبِلَاسْتِيكِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَحَلَّلُ ، أَوِ الْعِلَبِ الْمَعْدِنِيَّةِ الَّتِي تَتَسَبَّبُ فِي الْأَذَى لِبَعْضِ الدَّوَابِّ ، وَكَمْ مِنْ مُزَارِعٍ أَوْ رَاعٍ تَضَرَّرَ بِسَبَبِ اسْتِهْتَارِ غَيْرِهِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : « مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ » ، يَقُولُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا مَعْنَاهُ : مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ؛ أَيْ : فَعَلَ مَا يَضُرُّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ عَمْدًا ، سَوَاءٌ فِي مَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، ضَارَّهُ اللَّهُ ؛ أَيْ : أَلْحَقَ بِهِ الضَّرَرَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ ، وَكُونُوا قُدْوَةً حَسَنَةً فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى نَظَافَةِ اَلْأَمَاكِنِ اَلْعَامَّةِ ، وَاحْرِصُوا عَلَى رَمْيِ الْمُخَلَّفَاتِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُخَصَّصَةِ لَهَا ، وَذَكِّرُوا غَيْرَكُمْ ، وَانْصَحُوا بِالْحُسْنَى ؛ فَإِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ ، وَإِنَّ مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ . أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : فِي حَدِيثٍ صَحِيح يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « بيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي بطَرِيقٍ وجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ علَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ » ، أَيْ : أَزَالَ الْغُصْنَ لِكَيْ لَا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ ، فَتَقَبَّلَ اللهُ مِنْهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ أَنْ غَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ عَلَى إِزَالَتِهِ الشَّوْكَ مِنَ الطَّرِيقِ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِلْأَجْرِ الْجَزِيلِ وَالْفَضْلِ الْعَظِيمِ لِمَنْ يَحْرِصُ عَلَى سَلَامَةِ النَّاسِ فِي طُرُقَاتِهِمْ ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنْ تَقَبُّلِ اللَّهِ وَثَنَائِهِ وَمَغْفِرَتِهِ سُبْحَانَهُ ؟! فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَاحْذَرُوا وَحَذِّرُوا مِمَّا يُؤْذِي النَّاسَ فِي مَنَافِعِهِمُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ . أَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُصْلِحَ الْأَحْوَالَ ، وَيَهْدِيَ الْقُلُوبَ ، وَيَجْعَلَنَا جَمِيعًا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ ، إنَّهُ قَرِيبٌ سَمِيعٌ مُجِيبٌ . اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى نِعَمِكَ ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَبِيئَتَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ ، وَوَفِّقْ وُلَاةَ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حِفْظَ أَعْرَاضِنَا ، وَحِفْظَ أَمْوَالِنَا ، وَحِفْظَ دِمَائِنَا ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا بِسُوءٍ اللَّهُمَّ اشْغَلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا لَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . عِبَادَ اللَّهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .
|