اغْتِنَامُ لَحَظَاتِ الأَيَّامِ المَعْدُودَاتِ
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ؛ عِبَادَ اللهِ :
تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ ؛ أَنَّكُمْ فِي مَوْسِمٍ عَظِيمٍ ، وَفِي أَيَّامِ شَهْرٍ مُبَارَكٍ كَرِيمٍ ، مِنْ أَبْرَزِ صِفَاتِهَا وَأَهَمِّ سِمَاتِهَا أَنَّهَا تَمْضِي سَرِيعًا ، وَتَنْقَضِي تِبَاعًا ، وَكَأَنَّهَا طَيْفٌ زَائِرٌ أَوْ سَحَابٌ عَابِرٌ ، وَرُبَّمَا لَا تَعُودُ عَلَى بَعْضِنَا يَا عِبَادَ اللهِ ، فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ إِدْرَاكَ رَمَضَانَ لَكِنَّهُ الْيَوْمَ فِي قَبْرِهِ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ! صَامَ مَعَنَا رَمَضَانَ الْعَامَ الْمَاضِي ، صَلَّى وَقَامَ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ ، ثُمَّ وُرِيَ الثَّرَى قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ هَذَا الشَّهْرَ! يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ .
فَالْعَاقِلُ مَنِ اغْتَنَمَ الْحَاضِرَ قَبْلَ اَلْفَوَاْتِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ هَاْدِمُ اَللَّذَاْتِ ، فَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ ، أَيْ : سَرِيعَةُ الِانْقِضَاءِ ، قَصِيرَةُ الْبَقَاءِ ، وَقَدْ مَضَى مِنْهَا مَا يُقَارِبُ ثُلُثَهَا ، وَذَلِكَ يُؤَكِّدُ لِلْعَاقِلِ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : « اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ : شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ » .
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ :
مِنْ رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِنَا أَنْ هَيَّأَ لَنَا فِي رَمَضَانَ أَجْوَاءً إِيمَانِيَّةً لَا تَتَكَرَّرُ فِي سَائِرِ الْعَامِ ؛ فَالْمَسَاجِدُ عَامِرَةٌ ، وَالصُّفُوفُ مُكْتَظَّةٌ مُتَكَاْمِلَةٌ ، وَالْأَصْوَاتُ بِالْقُرْآنِ مُرتَفِعَةٌ ، وَالصَّدَقَاتُ مُتَدَفِّقَةٌ ، وَالْقُلُوبُ عَلَى مَا يُرْضِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلَةٌ . وَهَذِهِ الْبِيئَةُ الإِيمَانِيَّةُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ ، تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَتَدْفَعُ إِلَى الْعِبَادَةِ ، وَتُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَيِّتَهِ .
وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ؛ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّيَامِ تَحْقِيقُ التَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ . فَالْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ تَحْقِيقُ التَّقْوَى ، وَالتَّقْوَى لَا تُنَالُ بِالتَّمَنِّي ، وَإِنَّمَا تُنَالُ بِالْمُجَاهَدَةِ . وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَيْهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : « صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً » ؛ فَاحْرِصُوا – رَحِمَكُمُ اللهُ – عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَعَلَى إِدْرَاكِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّهَا أَيَّامٌ لَا تُعَوَّضُ .
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُسْتَثْمَرُ فِي هَذِه الْأَيَّامِ : الْقِيَامُ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ؛ فَقِيَامُ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ سِنِينَ! فَكَيْفَ إِذَا دَاوَمْتَ وَأَخْلَصْتَ وَأَحْسَنْتَ؟
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ : الْقُرْآنُ . فَهَذَا شَهْرُ الْقُرْآنِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ وَكَانَ جِبْرِيلُ يُدَارِسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : « وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ » ، فَاجْعَلْ لَكَ وِرْدًا يَوْمِيًّا لَا تُفَرِّطْ فِيهِ ، خَتْمَةً أَوْ أَكْثَرَ ، تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَشْفَعُ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَقُولُ : « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ » ، فَأَكْثِرُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ الصَّدَقَةِ ، وَتَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا » .
وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- وَخَاصَّةً فِي السُّجُودِ ، وَعِندَ الْإِفْطَارِ ، وَفِي الْأَسْحَارِ ؛ قَالَ تَعَالَى : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ فَاسْأَلُوا اللهَ الْقَبُولَ ، وَاسْأَلُوهُ الثَّبَاتَ ، وَاسْأَلُوهُ أَنْ يُبَلِّغَكُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَأَنْ يُعِينَكُمْ عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ .
تَذَكَّرُوا – رَحِمَكُمُ اللهُ – أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ شَهَادَةٌ لَكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ ، وَأَنَّهَا سَتُعْرَضُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِمَّا أَنْ تَفْرَحُوا بِهَا ، وَإِمَّا أَنْ تَتَحَسَّرُوا عَلَيْهَا . فَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ فَلْيَغْتَنِمِ الْفُرْصَةَ ، وَمَنْ أَرَادَ الْفَوْزَ فَلْيَجْتَهِدْ فِي الطَّاعَةِ ، فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ ثُمَّ تَنْقَضِي ، وَيَبْقَى الْعَمَلُ .
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى صِيَامِ مَا بَقِي مِنْ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ ، وَوَفِّقْنَا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَاجْعَلْنَا فِيهَا مِنَ الْمَقْبُولِينَ الْمَعْتُوقِينَ مِنَ النَّارِ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأَهْلِنَا وَمَالِنَا ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا ، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا ، اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا ، وَمِنْ خَلْفِنَا ، وَعَنْ أَيْمَانِنَا ، وَعَنْ شَمَائِلِنَا ، وَمِنْ فَوْقِنَا ، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ وَأَمِتْنَا شُهَدَاءَ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ .
عِبَادَ اللهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .