مَاْ نَحْتَاْجُ بَعْدَ عَوْدَةِِ اَلْحُجَّاجِ
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، جَعَلَ تَعْظِيمَ شَعَائِرِهِ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ فَيَاعِبَاْدَ اَللهِ :
يَقُوْلُ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ،فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ .
وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - أَنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ ؛ مَا مَنَّ بِهِ هَذَا الْعَامَ مِنْ نَجَاحِ مَوْسِمِ الْحَجِّ ، وَيَسَّرَ لِلْحُجَّاجِ أَدَاءَ نُسُكِهِمْ فِي أَمْنٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَسَكِينَةٍ ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَأَدُّوا شَعَائِرَهُمْ ، وَأَتَمُّوا مَنَاسِكَهُمْ ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى أَوْطَانِهِمْ بِحَمْدِ اللَّهِ سَالِمِينَ غَانِمِينَ .
وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا رَأَى هَذِهِ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَيَشْكُرَهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ : ﴿فَكُلُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ عِبَادَ اللَّهِ :
لَقَدْ شَاهَدَ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ هَذَا الْمَوْسِمَ الْمُبَارَكَ ، وَمَا تَحَقَّقَ فِيهِ مِنِ انْسِيَابِيَّةٍ فِي التَّنَقُّلِ ، وَأَمْنٍ فِي الْمَشَاعِرِ ، وَانْتِظَامٍ فِي الْحُشُودِ ، وَرِعَايَةٍ صِحِّيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ ، وَخِدْمَاتٍ مُتَكَامِلَةٍ سُخِّرَتْ لِضُيُوفِ الرَّحْمَنِ ، حَتَّى أَدَّى الْحُجَّاجُ مَنَاسِكَهُمْ فِي يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ ، بَعِيدًا عَنِ الْفَوْضَى وَالِاضْطِرَابِ وَالْحَوَادِثِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقَعُ فِي أَزْمِنَةٍ مَضَتْ وَفِي أَمَاكِنَ أُخْرَى .
وَهَذَا بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بِفَضْلِ مَا تَبْذُلُهُ هَذِهِ الدَّوْلَةُ الْمُبَارَكَةُ مِنْ جُهُودٍ عَظِيمَةٍ ، بِقِيَادَةِ خَادِمِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَسُمُوِّ وَلِيِّ عَهْدِهِ حَفِظَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَا تَقُومُ بِهِ الْجِهَاتُ الْأَمْنِيَّةُ وَالصِّحِّيَّةُ وَالْخِدْمِيَّةُ وَالْمُتَطَوِّعُونَ مِنْ أَعْمَالٍ جَبَّارَةٍ لِخِدْمَةِ الْحُجَّاجِ وَالْعِنَايَةِ بِهِمْ .
وَإِنَّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَالْعَدْلِ أَنْ تُذْكَرَ النِّعَمُ ، وَأَنْ يُشْكَرَ أَهْلُ الْفَضْلِ بَعْدَ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ .
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَحْضِرَهُ فِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ : أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنِ اخْتَارَ هَذِهِ الْبِلَادَ الْمُبَارَكَةَ لِخِدْمَةِ بَيْتِهِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخِدْمَةِ الْحُجَّاجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ وَالزُّوَّارِ .
فَلَيْسَتِ الْقَضِيَّةُ مُجَرَّدَ أَرْضٍ تَحْتَضِنُ الْمَشَاعِرَ الْمُقَدَّسَةَ ، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَشَرَفٌ كَبِيرٌ ، حَمَلَتْهُ هَذِهِ الْبِلَادُ مُنْذُ تَأْسِيسِهَا ، وَبَذَلَتْ فِي سَبِيلِهِ الْأَمْوَالَ وَالطَّاقَاتِ وَالْجُهُودَ حَتَّى صَارَ الْحَجُّ الْيَوْمَ مِثَالًا عَالَمِيًّا فِي الْإِدَارَةِ وَالتَّنْظِيمِ وَالْخِدْمَةِ .
وَلَوْ تَأَمَّلَ الْإِنْسَانُ حَالَ كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ لَأَدْرَكَ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُسَافِرُ إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ فَلَا يَكادُ يَقْضِي حَاجَةً مِنْ حَاجَاتِهِ إِلَّا بِمُقَابِلٍ مَالِيٍّ ، وَلَا يَحْصُلُ عَلَى خِدْمَةٍ إِلَّا بَعْدَ دَفْعِ الْأَمْوَالِ ، بَلْ قَدْ يُرْهَقُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَتَنَقُّلِهِ وَمَرَافِقِهِ الْعَامَّةِ .
أَمَّا فِي هَذِهِ الْمَشَاعِرِ الْمُبَارَكَةِ فَإِنَّ الدَّوْلَةَ تُنْفِقُ الْمِلْيَارَاتِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْحَاجُّ عِبَادَتَهُ فِي أَمْنٍ وَرَاحَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ ؛ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَخِدْمَةً لِضُيُوفِ بَيْتِهِ الْحَرَامِ .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الدُّرُوسِ الَّتِي يُعَلِّمُنَا إِيَّاهَا الْحَجُّ أَنَّ الْأَعْمَالَ الْعَظِيمَةَ لَا تَنْجَحُ بِالْفَوْضَى ، وَإِنَّمَا تَنْجَحُ بِالنِّظَامِ وَالطَّاعَةِ وَالانْضِبَاطِ وَالتَّعَاوُنِ .
فَلَوْ أَنَّ مِلْيُونَاتِ الْحُجَّاجِ تُرِكُوا بِلَا تَنْظِيمٍ وَلَا تَعْلِيمَاتٍ وَلَا أَنْظِمَةٍ ، لَتَحَوَّلَتِ الْمَشَاعِرُ إِلَى فَوْضَى لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَهَا إِلَّا اللَّهُ .
وَلِهَذَا جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِالْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
فَمَا تَحَقَّقَ مِنْ نَجَاحَاتٍ وَإِنْجَازَاتٍ إِنَّمَا كَانَ – بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ – بِسَبَبِ الْتِزَامِ النَّاسِ بِالتَّعْلِيمَاتِ ، وَتَقَيُّدِهِمْ بِالْأَنْظِمَةِ ، وَتَعَاوُنِهِمْ مَعَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ ، فَحُفِظَتِ الْأَرْوَاحُ ، وَصِينَتِ الْمَصَالِحُ ، وَأُدِّيتِ الشَّعَائِرُ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ .
فَاشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ ، وَاعْرِفُوا فَضْلَ الْأَمْنِ وَالِاجْتِمَاعِ ، وَاحْذَرُوا مِنَ الْأَصْوَاتِ الَّتِي تُقَلِّلُ مِنْ هَذِهِ الْمُنْجَزَاتِ أَوْ تَجْحَدُ هَذِهِ النِّعَمَ ، فَإِنَّ جُحُودَ النِّعَمِ سَبَبٌ لِزَوَالِهَا ، وَشُكْرُهَا سَبَبٌ لِبَقَائِهَا وَنُمُوِّهَا
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .
أَمَّا بَعْدُ :
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا تِجَاهَ هَذِهِ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ : أَنْ نُقَابِلَهَا بِالشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَالدُّعَاءِ بِدَوَامِهَا ، وَأَنْ نَسْتَشْعِرَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْنَا بِأَن جَعَلَنَا فِي بِلَادٍ شَرَّفَهَا بِخِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَقَاصِدَيْهِمَا .
وَإِنَّ الْأَمْنَ الَّذِي نَعِيشُهُ ، وَالْتَّنْظِيمَ الَّذِي نُشَاهِدُهُ ، وَالْخِدْمَاتِ الَّتِي تُقَدَّمُ لِلْحُجَّاجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ ، كُلُّهَا نِعَمٌ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ وَالثَّنَاءَ وَالدُّعَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَهَا مِنَ الزَّوَالِ .
فَأَكْثِرُوا مِنْ حَمْدِ اللَّهِ عَلَى نِعَمِهِ ، وَسَلُوهُ دَوَامَ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَادْعُوا لِإِخْوَانِكُمُ الْحُجَّاجِ أَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ حَجَّهُمْ ، وَأَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ .
اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا يَسَّرْتَ مِنْ حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا مَنَنْتَ بِهِ مِنَ الْأَمْنِ وَالاسْتِقْرَارِ ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى بِلَادِنَا نِعْمَةَ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ ، وَوَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَسُمُوَّ وَلِيِّ عَهْدِهِ لِكُلِّ خَيْرٍ ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ ، وَاجْزِهِمَا خَيْرَ الْجَزَاءِ عَلَى مَا يُقَدِّمَانِهِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ .
اللَّهُمَّ احْفَظْ جُنُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا وَكُلَّ مَنْ يَخْدُمُ ضُيُوفَ الرَّحْمَنِ ، وَتَقَبَّلْ مِنَ الْحُجَّاجِ حَجَّهُمْ ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ .
عِبَادَ اللهِ :
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .