|
شُرُوطُ قَبُولِ العَمَلِ الصالِحِ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعدُ: عِبادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ مُحَقِّقًا
لِلْعِبادَةِ: إلَّا بِأَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الإخلاصُ للهِ. وَهُوَ
مِيزانُ أَعْمالِ القَلْبِ. والثاني: مُتابَعَةُ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلم. وَهُوَ مَيزانُ الأَعْمالِ الظاهِرَةِ. قال تعالى: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ ). وقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلم: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ
رَدٌّ ). والناسُ مُنْقَسِمُونَ بِحَسَبِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ إلى أربعةِ
أقسامٍ: الأول: مَنْ لَا
إِخْلَاصَ لَهُمْ وَلَا مُتَابَعَة: كَالْمُبْتَدِعِ الْمُرائِي: فَهُؤلَاءِ لَمْ
يُخْلِصُوا للهِ، وَلَمْ يُوافِقُوا هَدْيَ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلم. وَهَذِهِ
حالُ الْمُرائِينَ وَطُلَّابِ الدُّنْيا وَالْمُتَزَيِّنِينَ لِلناسِ بِمَا لَمْ
يَشَرَعْهُ اللهُ ورسولُه. فَهَؤُلاءِ مِنْ شِرَارِ الخَلْقِ، وَأَبْغَضِهِمْ إلى
اللهِ، وَلَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا
وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم
بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ). يَفْرَحُونَ
بِما أَتَوْا مِن البِدْعَةِ والضَّلالَةِ والشِّرْكِ، وَيُحِبُّونَ أَنْ
يُحْمَدُوا بِالسُّنَّةِ والإخْلاصِ. القِسْمُ
الثانِي: مَنْ أَخْلَصُوا أَعْمَالَهُمْ
للهِ، لَكِنَّها عَلَى غَيْرِ هَدْيِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فَهُمْ
يَعْمَلُونَ للهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيامٍ وزكاةٍ وَحَجٍّ، وَقَدْ يَكُونُوا مِمَّنْ
يَدْعُونَ إلى اللهِ لَكِنَّهُمْ لا يَحْرِصُونَ عَلَى مُوافَقَةِ السُّنَّةِ
فِيها، فَإذا نُصِحُوا وَذُكِّرُوا قالُوا: إِنَّ العِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ.
وَذلِكَ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ: بِشَرْطَيْ قَبُولِ العَمَلِ. لَقَدْ جاءَ
نَفَرٌ مِنْ الصحابَةِ يَسْأَلُونَ أزواجَ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم عَنْ
عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّساءَ. وَقَالَ
الآخَرُ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ.
فَقَالَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: ( مَا بَالُ
أقْوامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ
وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ
مِنِّي ). فَانْظُرُوا إلَى هَؤُلاءِ النَّفَرِ مِن الصحابَةِ والَّذِينَ
لَا نَشُكُّ فِي صَلَاحِ نِيَّاتِهِمْ، إلَّا أَنَّ تِلْكَ العِبادَاتِ التي
قامُوا بِهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى السُّنَّةِ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ
النبيُّ صلى اللهُ عليهم وسلم. وَجاءَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيارٍ إلى النبيِّ صلى
اللهُ عليه وسلم فقال: إنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلاةِ، أي - قَبْلَ صَلَاةِ
العِيدِ - فَأَمَرَه النبيُّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلم أَنْ يَذْبَحَ غَيْرَها،
لِأَنَّه لَمْ يُوافِق السُّنَّةَ في عَمَلِهِ. القِسْمُ
الثالِثُ: مَنْ عَمِلُوا أَعْمالًا
صالِحَةً في الظَاهِرِ، لَكِنَّها لَمْ تَكُنْ خالِصَةً لَوَجْهِ اللهِ، وَهَذِهِ
حَالُ الْمُرَائِينَ، أَوْ طُلَّابُ الدنيا بِعِبادَاتِهِمْ. أَعْمالُهُمْ
ظاهِرُها الصَّلاحُ لَكِنَّها لَيْسَتْ لِوَجْهِ اللهِ. قال رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ( إنَّ أَوَّلَ الناسِ يُقْضَى
يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ
نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ فَمَا عَمِلْتَ بِها؟ قالَ: قاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى
اسْتُشْهِدْتُ، قال: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قاتَلْتَ لِأَنْ يُقالَ جَرِيءٌ! فَقَدْ
قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النارِ،
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ فَأٌتِيَ بِهِ
فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قال: فَمَا عَمِلْتَ بِها؟ قال: تَعَلَّمْتُ
العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ
تَعَلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقالَ: عالِمٌ! وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقالَ: قارِئٌ!
فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي
النارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطاهُ مِنْ أَصْنافِ الْمالِ،
فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فَمَا عَمِلْتَ بِها؟ قال:
مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أِنْ يُنْفَقَ فِيها لَكَ إلَّا أَنْفَقْتُ
فِيها، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّك فَعَلْتَ لِيُقالَ: جَوَادٌ! فَقَدْ قِيلَ،
ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النارِ). نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا الإخلاصَ في القَوْلِ والعَمَلِ. باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي
وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا
تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ
ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم. الخطبة الثانية الْحَمْدُ
للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن
لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً
عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمّا
بَعدُ: القِسْمُ
الرَّابعُ: هُمْ الذينَ أَخْلَصُوا عِبادَتَهُمْ
للهِ، وتَابَعُوْا رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم. فَهَؤُلاءِ هُمْ الذينَ
حَقَّقُوا مَعْنَى الشهادَتَيْنِ حَقَّا. لِأَنَّ
الإخلاصَ مُتَعَلِّقٌ بِشَهادَةِ أَنْ لا إلَهَ
إلَّا اللهُ، والإتباعَ مُتَعَلِّقٌ بِشَهادَةِ أَنَّ محمدًا رسولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم. قال
تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ
الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ). قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ:
" العَمَلُ الحَسَنُ: هُوَ أَخْلَصُهُ
وَأَصْوَبُه "، قالُوا يَا أَبَا
عَلِيٍّ: مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ فَقَالَ:
" إِنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا وَلَمْ
يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذا كانَ
صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتَّى يَكُونَ
خَالِصًا صَوَابًا. والخَالِصُ مَا كانَ للهِ
تَعالَى، والصَّوابُ ما كانَ عَلَى السُّنَّةِ ".
ثُمَّ اعْلَمُوا يا عِبادَ اللهِ أنَّ
الإخلاصَ: لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَعْظِيمِ اللهِ،
وَمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ،
فَإِنَّ كَثِيرًا مِن الناسِ لَمَّا عَظَّمُوا الْمَخْلُوقِينَ: زَيَّنُوا لَهُمْ
أَعْمَالَهُمْ، والْتَفَتَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَيْهِمْ وإلَى الدنيا.
واعْلَمُوا أَيْضًا
أَنَّ مِنْ أَسبابِ الإخلاصِ: مَعْرفةَ هَوَانِ الدنيا،
وَتَذَكُّرَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَه.
وَاعْلَمُوا
أَيْضًا أَنَّ مُتابَعَةَ الرسولِ صلى
اللهُ عليه وسلم: لَا تَكُونُ إلَّا بِالعِلْمِ
النافِعِ، وَتَعَلُّمِ السُّنَّةِ والحِرْصِ عَلَى تَطْبِيقِها. اللَّهُمَّ
أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنا اتِّباعَه، وَأَرِنَا البَاطِلَ باطِلًّا وارْزُقْنا
اجْتِنَابَه، اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ
بِكَ مِنْ الفِتَنِ ما ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ، وَثَبِّتْنا بِالقَوْلِ
الثابِتِ في الحَياةِ الدنيا وفي الآخِرَةِ، اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ
مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ
خَيْرَ أَعْمَارِنَا آخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا، وَخَيْرَ
أَيَّامِنَا يَوْمَ لِقَائِكَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا
مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ،
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ
وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ ارْفعْ
البَلاءَ عَن الْمُستضعفينَ مِن الْمُؤمِنين فِي كُلِّ مَكانٍ، اللهُمَّ احِقنْ
دماءَ الْمُسلِمِين يا ربَّ العَالَمِين، اللهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ
والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين، اللهُمَّ
عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم،
اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين، اللَّهُمَّ
احْفَظْ لِهٰذِهِ الْبِلَادِ دِينَها وَعَقِيدَتَها وَأَمْنَها وَعِزَّتَها
وَسِيادَتَها، وَأَصْلِحْ أَهْلَها وَحُكَّامَها وَانْصُرْ جُنُودَها وَاحْمِ
حُدُودَها يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلادَنا مِمَّا يَكِيدُ
لَها، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَعْدائِها فِي الدَّاخِلِ وَالْخارِجِ، اللَّهُمَّ
أَخْرِجْها مِنَ الْفِتَنِ وَالشُّرُورِ وَالْآفَاتِ، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ
أَمرِنا بِتَوفِيقِك، وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك، وَاجْعَلْهُم مِن أَنصَارِ دِينِك،
وَارْزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ النَّاصِحةَ يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ،
اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ،
الأحْيَاءِ مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ. (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ
الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)
. وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق
تجدها هنا : http://www.islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119
|