التحذيرُ مِن العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ ومُثِيرِيها
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أَمَّا
بَعدُ:
عِبادَ اللهِ: اتقُوا
اللهَ تَعالَى، واعْتَصِمُوا بِحَبْلِهِ، واذكُروا نِعَمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ،
أَنْ هَداكُمْ لِلْإِسْلامِ، وَجَمَعَ كَلِمَتَكُمْ عَلَيْهِ، وَتَذَكَّرُوا
قَوْلَ اللهِ تَعالَى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَانًا ). وَقَوْلَ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلم: ( يا أَيُّها الناسُ، إنَّ رَبَّكُمْ واحِدٌ، وإِنَّ أباكُمْ
واحِدٌ. أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِـيٍّ عًلًى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى
عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إلَّا
بِالتَّقْوَى ).
وَلِذلكَ
حَذَّرَ النبيُّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ التي
تُثِيرُ العَدَاوَةَ والعَصَبِيَّةَ وَتُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فقالَ: ( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ لَا
يَتْرُكُونَهُنَّ، الفَخْرُ بِالأحسابِ، والطَّعْنُ فِي الأَنْسابِ،
والاسْتِسْقاءُ بِالنُّجُومِ، والنِّياحَةُ ).
فَأَخْبَرَ أَنَّها مِنْ أَفْعالِ أَهْلِ الجاهِلِيَّةِ وَأَخْلاقِهِمْ
السَّيِّئَةِ التي تَتَنافَى مَعَ كَمالِ التوحِيدِ وَصِدْقِ الإيمانِ. وَالْمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ هُنَا: مَا قَبْلَ بِعْثَةِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم. سُمُّوا
بِذلِكَ لِفَرَطِ جَهْلِهِمْ، وَزَيْغِهِمْ عَنْ الصِّراطِ الْمُستقِيمِ فِي
عَقائِدِهِمْ وعِباداتِهِمْ وَأَخْلاقِهِم.
وَقَوْلُهُ الفَخْرُ بِالأحسابِ: أَيْ التَشَرُّفُ بِالقَبِيلَةِ أَوْ بِالآباءِ،
وَالتَعَاظُمُ بِذِكْرِ مَناقِبِهِمْ وَمَآثِرِهِمْ وَفَضائِلِهِمْ عَلَى وَجْهِ
الْمُفاخَرَةِ وَالتَعاظُمِ والرِّفْعَةِ عَلَى الآخَرِين، وَذَلِكَ جَهْلٌ
عَظِيمٌ، إِذْ لَا شَرَفَ إلَّا بِالتقوَى، كَمَا قال تَعالَى: ( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي
تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا
فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ فَأُولئِكَ لَهُم جَزاءُ الضِّعفِ بِما عَمِلوا وَهُم فِي
الغُرُفاتِ آمِنونَ ). وقال تعالى: ( يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )، فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ
جَعَلَهُمْ كذلكَ لِيَتَعارَفُوا، لا لِيَتَفاخَرُوا وَيَحْقِرَ بَعْضُهُمْ
بَعْضا.
قَوْلُهُ:
وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسابِ: أَيْ
الوُقُوعُ فِيها بِالذَّمِّ وَالعَيْبِ أَوْ بِقَدْحٍ فِي نَسَبِ أَحَدٍ مِنْ
الناسِ أَوْ قَبِيلَتِهِ، أَوْ أُسْرَتِهِ، أَوْ جِنْسِيَّتِهِ، أَوْ لَوْنِهِ.
وَسَبَبُ
التّفَاخُرِ أَوْ الطَّعْنِ: هُوَ سُوْءُ
التَّرْبِيَةِ، أَوْ نَقْصُ التَّوْحيدِ فِي القَلْبِ، أَوْ ضَعْفُ جانِبِ
الأُخُوَّةِ الإيمانِيَةِ، أَوْ الكِبْرُ وَالعُجْبُ. لِأَنَّ أَوْثَقَ
عُرَى الإيمانِ الحُبُّ في اللهِ والبُغْضُ في اللهِ. وَلِأَنَّ رابِطَةَ
الدِّينِ هِيَ التي تجعلُ الْمُجْتَمَعَ يَسْلَمُ مِن العُنْصُرِيَّةِ
الجاهِلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بالحَسَبِ والنسَبِ، أو الجِنْسِيَّةِ واللَّونِ،
أوِ الْمالِ والجاه.
ويَوْمَ
القِيامَةِ لَنْ يُسْأَلَ الناسُ عَنْ
أَحْسابِهِمْ وَأَنسابِهِمْ، وَلَنْ يَسْتَفِيدُوا مِنْها شَيْئًا، مَهْما عَلَتْ
وَارْتَفَعَتْ في الدنيا، كَمَا قالَ تَعالَى: ( لَنْ
تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ
بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ). وقال تَعالَى: ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ
يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ).
وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )، قامَ
النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم فَقال: ( يا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِن اللهِ شَيْئًا،
يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِن اللهِ شَيْئًا، يا عَبَّاسُ بْنَ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لا أُغْنِي عَنْكَ مِن اللهِ شَيْئًا، وَيا صَفِيَّةُ
عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لا أُغْنِي عَنْكِ مِن اللهِ شَيْئًا، وَيا فاطِمَةُ
بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي ما شِئْتِ مِنْ مالِي، لا أُغْنِي عَنْكِ مِن اللهِ
شَيْئًا ).
وَهذا الحَدِيثُ مِن أَعْظَمِ الْمَواعِظِ
في هذا الأَمْرِ، وَهُوَ أَنَّ نَسَبَ الإنْسانِ مَهْمَا كانَ عَظِيمًا، فَإِنَّه
لا يَنْفَعُهُ، ما لَمْ يَسْعَ في إِنْقاذِ نَفْسِهِ مِنْ عَذابِ اللهِ.
باركَ
اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه
مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ
لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين، وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين، وَلا
عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين، وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا
شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَليْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أَمَّا بَعدُ:
عِبادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعالَى، واعْلَمُوا أَنَّ العَصَبِيَّةَ القَبَلِيَّةَ بابٌ خَطِيرٌ
يَدْخُلُ مِنْ خِلَالِهِ الْمُغْرِضُونَ، الذينَ
يسْعَوْنَ لِتَفْرِيقِ الكَلِمَةِ، وَتَشْتِيتِ الأُمَّةِ، وإيغارِ الصُّدُورِ،
ولا يَأْلُونَ جُهْدًا في ذلكَ بِكُلِّ ما أُوتُوا مِنْ إِمْكاناتٍ. كَما لُوحِظَ
مُؤَخَّرًا حِساباتٌ في وَسائِلِ التَواصُلِ الاجْتِماعِي، تَنْتَحِلُ أَسْماءَ
قَبائِلَ مُعَيَّنَةٍ، وَتَعَمَّدُ الإساءَةَ إلى قَبائِلَ أُخْرَى، بِهَدَفِ
تَأْجِيجِ العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ، وَضَرْبِ النَّسِيجِ الاجْتِماعِي،
وإثارَةِ الفِتْنَةِ بَيْنَ أبْناءِ الْمُجْتَمَعِ.
فاتَّقُوا
اللهَ عِبادَ اللهِ، وَتَعاوَنُوا فِيما بَيْنَكُمْ عَلَى إزالَةِ هذا الْمُعْتَقَدِ
الخَطِيرِ، وَتَرْبِيَةِ النَّشْءِ عَلَى
الحُبِّ في اللهِ والبُغْضِ في اللهِ، والبُعْدِ عَنْ الفَخْرِ أَوْ التَّعالِي
والسُّخْرِيَةِ. وَتَعاوَنُوا مَعَ وُلاةِ أَمْرِكُمْ في هذه البلادِ الْمُبارَكَةِ،
التي قامَتْ أساسًا عَلى التَّوْحِيدِ والعَقِيدَةِ، والتي مِنْ أَعْظَمِ أمُورِها،
إزالَةُ هذِهِ العَصَبِيَّةِ، وَتَعْمِيقُ الْمُواطَنَةِ والعَدَالَةِ مِنْ خِلالِ
تَطْبِيقِ الشَّرِيعَةِ، وَوَضْعِ الأَنْظِمَةِ التي تُحَقِّقُ الحَقَّ،
وَتَضْمَنُ العَدالَةَ والْمُساواةَ بَيْنَ الجَمِيعِ، دُونَ تَمْيِيزٍ أَوْ
تَمايُزٍ، إلا بِالعَمَلِ والتَّقْوَى والإِخْلاصِ.
اللَّهُمَّ
أَلِّفْ بينَ قُلُوبِنا وأصلِحْ ذاتَ بينِنا واهدنا سُبُلَ السلام، ونَجَّنا من
الظُّلُماتِ إلى النُّور يا ذا الجلال والإكرام، اللَّهُمَّ
حَبِّبْ إلَيْنَا الإيمانَ وَزَيِّنْه فِي قُلُوبِنَا وَكَرِّهْ إلَيْنَا الكُفْرَ
والفُسُوقَ والعِصْيانَ وَاجْعَلْنَا مِنْ الراشِدِين، اللهُمَّ احفظْنا
بالإِسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإِسلامِ قاعدِين واحفظْنا بالإِسلامِ راقدِين ولا
تُشْمِتْ بِنا أَعداءَ ولا حَاسِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ
وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ
الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين، اللهُمَّ ارفع البلاءَ عن
الْمستضعفينَ من الْمؤمنين في كلِّ مكانٍ، اللهُمَّ احِقن دماءَ الْمُسلِمِين يا
ربَّ العَالَمِين، اللهُمَّ عَليكَ بِأَعْداءِ الدِّينِ مِن الخَوَنَةِ
الحَوْثِيِّينَ وَمَنْ عاوَنَهُمْ، اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ
زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، واقذفْ الرُّعبَ في قلُوبِهم، وزَلْزِل
الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ
يا قويُّ يا متين اللهُمَّ احفظْ لِبِلادِنَا
دينَها وعقيدتَها وأمنَها وعزتَها وسيادتَها، اللَّهُمَّ
انْصُرْ جُنُودَنَا، عَلَى الْحُوثِيِّينَ وَأَعْوَانِهِمْ، اللَّهُمَّ انْصُرْ
جُنُودَنَا عَلَى مَنْ يَكِيدُ لَنَا وَيَتَرَبَّصُ بِنَا الدَّوَائِرَ، يَا
قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ
الْمَلِكَ سَلْمَانَ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ
بِتَوْفِيقِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِتَأْيِيدِكَ، وَاحْفَظْ بِهِمْ أَمْنَ الْبِلَادِ
وَالْعِبَادِ، وَاجْعَلْهُم مِن أَنصارِ دِينِك، وَارزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ
النَّاصِحةَ يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ،
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأحْيَاءِ مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ
سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ. (وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) .
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق تجدها هنا :
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119