| التَّقَيُّدُ بِأَنْظِمَةِ الْمُرُورِ سَلَامَةٌ وَأُجُورٌ وَوِقَايَةٌ مِنَ الشُّرُورِ إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ؛ عِبَادَ اللهِ: تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، واعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- أَنَّ مَا يُصْدِرُهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنْ تَعْلِيمَاتٍ وَتَوْجِيهَاتٍ وَأَنْظِمَةٍ، تَضْمَنُ سَلَامَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُجْتَمَعِهِمْ، إِنَّمَا هُوَ عِبَادَةٌ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا، وَيُؤْجَرُ وَيُثَابُ الْعَبْدُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ طَاعَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وَمِنَ الْأَنْظِمَةِ الَّتِي يَجِبُ طَاعَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِيهَا؛ أَنْظِمَةُ الْمُرُورِ، وَلِذَلِكَ قَرَّرَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ لِكِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، وَلِقَائِهِ فِي الْبَابِ الْمَفْتُوحِ، أَنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الْإِشَارَةِ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَطَاعَةٌ لِلَّهِ وَقُرْبَةٌ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فَمَنِ الْتَزَمَ بِهَا احْتِسَابًا كَانَ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِ رَبِّهِ وَمَأْجُورًا، وَتَجَاوُزُهَا يُعَدُّ مَعْصِيَةً وَإِثْمًا؛ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ وَلِيِّ الْأَمْرِ الْمُنَظِّمِ لِحِفْظِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ. وَلَا شَكَّ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- أَنَّ عَدَمَ التَّقَيُّدِ بِأَنْظِمَةِ الْمُرُورِ فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ عَلَى النُّفُوسِ، فَكَمْ مِنْ مُسْلِمٍ مَاتَ بِسَبَبِ حَادِثٍ مُرُورِيٍّ، بَلْ أُسَرٌ بِأَسْرِهَا تَمُوتُ بِسَبَبِ حَوَادِثِ الْمُرُورِ. وَحِفْظُ النَّفْسِ مَقْصِدٌ عَظِيمٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَالْالْتِزَامُ بِالْأَنْظِمَةِ الْمُرُورِيَّةِ هُوَ حِفْظٌ لِلنَّفْسِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحِفْظِهَا، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾. فَلِنَفْسِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَنْزِلَةٌ سَامِيَةٌ، يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ». وَيَقُولُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الَّذِي يُسْرِعُ سُرْعَةً تَكُونُ سَبَبًا لِلْحَادِثِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُتَسَبِّبٌ لِنَفْسِهِ بِالْهَلَاكِ وَآثِمٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُسْرِعَ سُرْعَةً تَكُونُ سَبَبًا لِلْحَادِثِ. وَبَيَّنَ كَذَلِكَ أَنَّ مَنْ خَالَفَ قَوَاعِدَ الْمُرُورِ بِقَطْعِ إِشَارَةٍ، أَوْ سُرْعَةٍ مَمْنُوعَةٍ، أَوْ سَيْرٍ مُعَاكِسٍ، وَنَتَجَ عَنْ ذَلِكَ حَادِثٌ وَتَلَفُ نَفْسٍ، عُدَّ مُتَعَدِّيًا، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ. الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ-، وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى خَطَرِ عَدَمِ التَّقَيُّدِ بِأَنْظِمَةِ الْمُرُورِ الَّتِي تَضْمَنُ سَلَامَةَ النَّاسِ فِي طُرُقَاتِهِمْ. فَمُخَالَفَةُ الْأَنْظِمَةِ الْمُرُورِيَّةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُخَالَفَةٍ بَسِيطَةٍ تُدْفَعُ غَرَامَتُهَا وَتَنْتَهِي، بَلْ هِيَ مُخَالَفَةٌ شَرْعِيَّةٌ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْأَنْظِمَةُ الَّتِي وَضَعَهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَمِنْهَا الْمُرُورُ، طَاعَتُهُ وَاجِبَةٌ وَمُخَالَفَتُهَا إِثْمٌ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾. فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ يَنْهَى عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الِاعْتِدَاءِ، وَمِنْ أَخْطَرِهِ الِاعْتِدَاءُ عَلَى أَرْوَاحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَمْوَالِهِمْ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَنْظِمَةَ الْمُرُورِ مَا وُضِعَتْ إِلَّا لِسَلَامَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَمْوَالِ، فَالَّذِي يُخَالِفُ أَنْظِمَةَ الْمُرُورِ وَالسَّيْرِ، وَيَتَسَبَّبُ فِي ضَرَرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَآثِمٌ؛ كَالَّذِي يَقْطَعُ الْإِشَارَةَ، أَوْ يَعْكِسُ اتِّجَاهَ السَّيْرِ، أَوْ يَتَجَاوَزُ السُّرْعَةَ الْمُقَرَّرَةَ، وَيُعَرِّضُ حَيَاةَ الْأَبْرِيَاءِ لِخَطَرِ الْمَوْتِ أَوِ الْإِصَابَةِ وَالْإِعَاقَةِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَبَذَلَ الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ لِسَلَامَةِ أَرْوَاحِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ. وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْ أَرْوَاحَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ، اللَّهُمَّ احْفَظْنَا فِي طُرُقَاتِنَا وَأَسْفَارِنَا، وَاكْفِنَا شَرَّ الْحَوَادِثِ وَمُفَاجَآتِ الطَّرِيقِ، اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا وَسَلِّمْ مِنَّا، وَاحْفَظْنَا وَمَنْ نُحِبُّ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ. اللَّهُمَّ احْفَظْ لَنَا وُلَاةَ أَمْرِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَعِنْهُمْ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ ابْنَ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَلْبِسْهُمَا لِبَاسَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَاجْزِهِمَا عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، وَاحْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا وَوَفِّقْهُمْ وَأَعِنْهُمْ وَسَدِّدْهُمْ، وَاجْزِهِمْ خَيْرَ الْجَزَاءِ. اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وللمزيد من الخطب للشيخ عبيد الطوياوي تجدها هنا:
|