الْميثاق
الغليظ، ونقضه بالطلاق
18/محرم/1448هـ
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ
باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ
لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ
وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، صَلَّى اللهُ
وسَلَّمَ وبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وأصحابِهِ أجْمَعِين أمَّا بعدُ:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ
الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾
عباد
الله:
اتقوا الله
تعالى، واعلموا رحمكم الله أن مِن أوثقِ العقود التي تجري بين بني الإنسان، في
شريعة الإسلام (عقدُ الزواج).
فلقد وصفَ اللهُ
تبارك وتعالى (عقدَ النِّكَاحِ) بالْميثاقِ الغليظِ،
قال اللهُ جل وعلا بعد أن نهى عن أخذ شيء مِن الْمهرِ عند الطلاقِ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
فـ
(عقدُ الزواج) ميثاقٌ فخمٌ غليظٌ، ورباطٌ وثيقٌ، بين رجل وامرأة،
وقِرانُ فطرةٍ وصِدْقٍ بين إنسان وإنسانه، ليعيشا حياتهما متصاحبيْن معاً حتى الْممات،
ويُكوِّنا أُسْرةً، ويُنتجا بنينَ وبنات.
في
شريعة الإسلام، لهذا العقد الفخم الغليظ مراسم:
فيجب أن يحضر مجلس هذا العقد الشريف شهود، ويشترط أن يتولى العقدَ للمرأة
وليُّهَا الرَّجل، ويجب أن يُحَدَّد الْمهرُ الذي سَيُدْفَعُ لها ويُذْكر، وتتاح أثناءَ مجلس العقد
الاشتراطات للطرفين على بعضهما، ويتكلَّمُ
الطرفان بصريحِ لفظ التزويجِ وقبوله.
ويستحب
أن يتقدمَه خُطْبةُ الحاجة التي تُسْتَفْتَح بها خطبةُ الجمعة، [إن
الحمد لله...] إلى آخرها مع تلاوة الآيات، ويستحبُّ إشهارُ هذا العقد بعد تمامه.
فما أروعه من
تشريع، وما أفخمه من مجلس، وما أشرفه من عقد.
ما أحسنَ آثارَ
عقد النكاح، وما أجملَ ثمارَه، وما أكثرَ مصالحَه.
به تحفظ الفروج، وتنغض الأبصار، وبه تسود الفضيلة، وتندحر الرذيلة، وبه يتحقق استقرار النفس،
ويحصل السكن والأنس، وبه تَنْتُجُ الذُّرِّيَّة، ويبقى نسلُ البشريَّة، وتتكامل الحياةُ
بين الرجل والمرأة.
أيها
الناس:
وَصْفُ عقدِ النكاحِ بـ (الْميثاق الغليظ)، يقتضي:
وجوبَ تعظيمه
واحترامه على الزوجين، وتحتمَ المحافظة على دوامه، والتمسك به، والعضَ عليه
بالنواجذ، وذلك... بقيام كلِّ واحدٍ من الزوجين بواجباته والتزاماته، وأدائه حقوقَ
الطرفِ الآخرِ عليه، وفق قانونِ الشريعةِ وقاعدتِها العادلةِ: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
وَلِلرَّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾، حتى مع وجود
كراهة بينهما، تقول الشريعة: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا
وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ فتأمر الشريعةُ بالصبر
والتركيز على الإيجابيات، وتجاهل السلبيات، حتى لا يُنْقَضَ الميثاق.
ولعظيم
شأن الْميثاق الغليظ، عقد النكاح: جعل النبي صلى
الله عليه وسلم ابتداءه بالتلفظ التزويج، وإنهاءه بالتلفظ بالطلاق، وإدامته
بالتلفظ بالرجعة، لا يُقْبَلُ فيها اللعِبُ والهَزْل، بل يستوي في وقوعها الهزل
والجد، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ:
النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ) حسن رواه أبو
داود والترمذي وابن ماجه،
فالْميثاق
الغليظ
أجلُّ وأشرفُ من أن يتلاعبَ بألفاظه، فالتلفظ بها لازم الأثر.
ورسولُ الله صلى
الله عليه وسلم أيضاً عَظَّم شأنَ عقد الزواج، فيقول ضمن خطبته أمام جموع الحجاج:
(فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ
أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ - أي: ائتمنكم الله عليهن - وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ -
أي: شَرْعُه -) رواه مسلم.
فيجب أن تُبَثَّ
قيمةَ تعظيم وتفخيم ميثاق الزواج الغليظ، خاصة لدى الْمُقبلين على الزواج وعلى الْمتزوجين
الجدد من بنين وبنات.
عباد
الله:
اللهُ جلَّ وعلا هو مَنْ عَظَّمَ شأنَ ميثاقِ الزواج
وغلَّظه، فواجبٌ على الزوجين تعظيمُ ما عظَّمهُ اللهُ ورسولُه صلى الله عليه وسلم،
ومقاومةُ كلِّ ما يخدشُه، أو يُضْعِفُه أو يَنْقُضُهُ، فمِن صفات أولي الألباب، ما
جاء في الكتاب: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ
اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾.
مدافعةُ
ما ينقُضُه أو يُشَوِّشُ عليه، تارةً بالعدل والإحسان والفضل بينهما مرات وكرات، وبالتسامحِ والعفوِ
والصفحِ والْمغفرةِ تارةً أخرى، وثالثةً بالصبر والتغاضي والتغافل والتعايش، ورابعةً بالتنازل والتصالح وقبول
العذرِ، ودوماً
بغلق الباب أمام الأشرار والشريرات من أن يؤثروا سلباً، ودوماً أيضاً بالْمودة والرحمة،
فالراحمون يرحمهم الرحمن.
عباد
الله:
يجب أن يعلم الأزواج والزوجات، وأن يستشعروا أن حقيقة الطلاق هي نقض هذا العقد
الثقيل، والْميثاق الغليظ، فبأي تبرير تُنْقَضُ الْمواثيقُ الغليظة؟ وبأي حجة
يُتَّخذُ قرارُ الإبطالِ؟
الطلاقُ
بغيضٌ في شريعة الإسلام، والأصل في الطَّلاق لغير حاجة الحَظر والْمنع فهو إما حرام أو مكروه، لِمَا يترتب عليه من
الْمفاسد، وما أُبيح منه إنما هو بقدر الحاجة.
ــ وإن
من أبلغ منفرات المرأة عن الطلاق قولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّم: (أيُّما امرأةٍ سألَتْ زوجَها طلاقَها
في غيرِ ما بَأْسٍ؛ فحرامٌ عليها رائِحَةُ الجنةِ) أخرجه
أبو داود (2226)، والترمذي (1187)، وصححه الألباني.
سبحان الله،
تعظيم وتقبيح وتبشيع لِجُرْمِ من فعلت ذلك بهذا الوعيد الشديد (حرام عليها رائحة الجنة)، فهل بلغ الْمؤمناتِ هذا الحديث؟
إذن فلماذا كثر الخلع وطلب الطلاق من الزوجات؟
ويقول النبي صلى
الله عليه وسلم: ((الْمنتزِعاتُ والْمختلِعاتُ هنَّ
الْمنافقاتُ)) أخرجه النسائي (3461)، والبيهقي (316)،
وأحمد (414)، وصححه الألباني في الصحيحة (1633).
وهن اللاتي يطلبن الخلع والطلاق من
أزواجهن بغير عذر، وقوله: (هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ)
مبالغةٌ في الزجرِ، أي: العاصياتُ باطناً، والْمطيعاتُ ظاهراُ، فهو نفاقٌ عمليٌ،
وكبيرةٌ من كبائرِ الذنوب.
ومشروعية
الخلع والفسخ: فيه مخرجٌ للمرأةِ في
الأحوال العصيبة التي لا حل لها إلا الخلع أو الفسخ، فهو رحمة بها ورعاية
لمصلحتها.
ولم
يشرع الخلع لتلجأ المرأة له في
أبسط الأحوال وأتفه الأسباب، محكمة هواها، راغبة في ترف دنياها، معرضة عن مصالحها
الحقة ومصالح أولادها.
فيا
أيها الْمؤمنون والْمؤمنات عظموا ما عظمه الله، واحذروا نقض الْميثاق
الذي بينكم بلا حُجَّةِ منجية من العقاب والتبعات.
اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين، ونعوذ بك أن
يحضرونا، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين
وتاب عليَّ وعليكم وعلى المسلمين إنه هو تواب رحيم.
الخطبة
الثانية:
الحمد لله الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى، والصلاة
والسلام على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله وصحبه وعلى كل من اقتفى، أما بعد
أيها
الْمُسلمون: مما يدل على أن الطلاق محبوب للشيطان، مكروه عند
الرحمن، ما رواه مسلمٌ أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ
سَرَايَاهُ -يعني كل يوم- فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ
فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا
صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ
حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ
«فَيَلْتَزِمُهُ» وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ) يعني نِعْمَ الفَتَّانُ أنت.
فالفراق بين
الزوجين من محبوبات الشيطان ومن أهدافه ومقاصده هو وأعوانه كل يوم، لما له من
الآثار السيئة الوخيمة، وكونه سبباً لشرور كثيرة.
فإذا كان الطلاق
من محبوبات الشيطان، إذن هو من مكروهات الرحمن.
ــ فلنحذر
عباد الله من خطوات الشيطان ونزغاته وتحريشه:
ــ
وإن من خطوات الشيطان البغيضة مع الرجال: كثرة حلف بعضهم بالطلاق، فكثرة الحلف بالطلاق تَعَدٍ لحدود
الله، وتعريضٌ للميثاق الغليظ للنقض لأتفه الأسباب، فليس هذا من فعل عقلاء الرجال
ونبلائهم.
ــ ومن
أكثر أعمال جندِ الشيطانِ، وأعوانِ إبليسَ: السحرةِ الأشرار، (سحرُ التفريق بين المرء وزوجه)،
لذا نص الله عليه في القرآن فقال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ
مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
وملعون مَن ذهب
للساحر ليعمل سحر تفريق بين زوجين، ملعون مشرك، لأنه أعان الساحرَ الْمشركَ على
الشرك ليُنَفِّذَ سحره.
فتحصنوا عباد
الله بالتعويذات، والمحافظة على الأذكار والصلوات.
ــ وإن
من أعوان الشيطان، أولئك الذين يوقعون الشر والشقاق والنزاع بين الأزواج والزوجات،
قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا
عَلَى سَيِّدِهِ) صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي
(خَبَّبَ امْرَأَةً) أي أفسدها وأغراها وتسبب في
الشقاق بينها وبين زوجها من رجل وامرأة.
فلَسْنَ
من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من مجتمعنا الْمتمسك بإسلامه، تلك المجموعة الشريرة الْمُسَمَّاةِ بـ (النسوية) والتي جعلت شغلَها الشاغلِ إفسادَ الزوجات على أزواجهن، وترغيبهن
في التحرر من قيود الحياة الزوجية كما يزعمن ويُزَيْيِّنَّ.
وتخبيب
الزوج على زوجته، له الحكمُ نفسه.
فاحذروا
عباد الله، فقد يُـمارَسُ التخبيب مِن الأقربين والْمُحبين كالإخوة والأخوات
والأصدقاء والصديقات، عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ، فوجب الـحذر الشديد.
اللهم اهدنا سبل السلام، وأحينا وأمتنا على السنة
والإسلام، اللهم قنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك،
اللهم إنا نسألك العافية، والْمُعافاة الدائمة في الدنيا والأخرة.
اللهم آتِ نفوسنا تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت
وليها ومولاها . اللهم إنا نسألك قلبًا سليما ولسانًا صادقا ، ونسألك من خير ما
تعلم ، ونعوذ بك من شر ما تعلم ، ونستغفرك مما تعلم إنك أنت علام الغيوب . اللهم
إنا نعوذ بك من شر ما عملنا وشر ما لم نعمل.
اللهم آمنا في أوطاننا ودورنا وأصلح أئمتنا وولاة
أمورنا، اللهم وفقهم لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى يا ذا الجلال
والإكرام واجزهم خيراً على ما يقدمونه لخدمة الإسلام والمسلمين يا رب العالمين.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل
في قلوبنا غلا للذين آمنُوا ربنا إنك رءوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
سبحان ربنا رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين
والحمد لله رب العالمين.
وللمزيد من
الخطب السابقة للشيخ صلاح العريفي حفظه الله تعالى:
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=121