العِنَايَةُ بِالْأَبْنَاءِ وَمَسْؤُولِيَّةُ الْآبَاءِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَقُومُوا بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَحَسْبُ، بَلْ يُسْأَلُ كَذَلِكَ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمَانَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.
وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْأَمَانَاتِ الْأَبْنَاءُ؛ فَإِنَّهُمْ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَوَدِيعَةٌ اسْتَوْدَعَهَا اللَّهُ آبَاءَهُمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِهَا وَرِعَايَتِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةُ بِهَذِهِ الْعَظَمَةِ، فَإِنَّ مِنَ الْخَطَأِ أَنْ يَظُنَّ الْوَالِدَانِ أَنَّ مُهِمَّتَهُمَا تَنْتَهِي بِتَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِسْوَةِ، بَلِ الْوَاجِبُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَجَلُّ.
وَإِذَا نَظَرَ الْإِنْسَانُ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ، وَجَدَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَفْرَحُونَ بِأَبْنَائِهِمْ، وَيَسْعَوْنَ فِي رَاحَتِهِمْ، وَيَبْذُلُونَ الْأَمْوَالَ وَالْجُهُودَ مِنْ أَجْلِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ فِطْرِيٌّ جَبَلَ اللَّهُ الْقُلُوبَ عَلَيْهِ، وَلَكِنِ الْمَطْلُوبُ وَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِنَايَةُ فِيمَا يَنْفَعُ الْأَبْنَاءَ فِي دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ لَا يَشْعُرُ بِوُجُودِ الْخَلَلِ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِ نَتَائِجِهِ؛ فَقَدْ يَرَى ابْنَهُ قَدْ ضَعُفَ تَعَلُّقُهُ بِالصَّلَاةِ، أَوِ انْصَرَفَ إِلَى رُفْقَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ، أَوْ تَأَثَّرَ بِأَفْكَارٍ وَسُلُوكِيَّاتٍ دَخِيلَةٍ مُرِيبَةٍ، فَيَبْدَأُ يَتَسَاءَلُ: كَيْفَ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى هَذَا الْحَالِ؟
وَالْوَاقِعُ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُشْكِلَاتِ لَا تَبْدَأُ كَبِيرَةً، وَإِنَّمَا تَبْدَأُ صَغِيرَةً ثُمَّ تَكْبُرُ مَعَ الْأَيَّامِ، وَتَنْمُو مَعَ الْإِهْمَالِ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهَا غَفْلَةً فِي الْمُتَابَعَةِ، أَوْ تَأْخِيرًا فِي التَّوْجِيهِ، أَوِ انْشِغَالًا طَوِيلًا عَنِ الْأَبْنَاءِ، حَتَّى يَتَفَاجَأَ الْوَالِدَانِ بِنَتَائِجَ لَمْ يَكُونَا يَتَوَقَّعَانِهَا، وَلَمْ تَخْطُرْ لَهُمَا عَلَى بَالٍ.
وَلِهَذَا جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِعِنَايَةٍ عَظِيمَةٍ بِشَأْنِ الْأَبْنَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِسْوَةِ فَقَطْ، بَلْ يَحْتَاجُونَ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ الَّذِي يُصْلِحُ قُلُوبَهُمْ، وَإِلَى الْعِلْمِ الَّذِي بِهِ تَسْتَنِيرُ بَصَائِرُهُمْ، وَإِلَى الْأَخْلَاقِ الَّتِي تُهَذِّبُ سُلُوكَهُمْ، وَإِلَى الْقُدْوَةِ الْحَسَنَةِ الَّتِي يَرَوْنَهَا فِي آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ».
وَلِهَذَا كَانَ اهْتِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِصَلَاحِ الذُّرِّيَّةِ ظَاهِرًا فِي دُعَائِهِمْ وَوَصَايَاهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وَتَأَمَّلُوا وَصِيَّةَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا بَدَأَهُ بِهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَتَعْظِيمُ حَقِّهِ، فَقَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ؛ لِأَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ سَائِرُ شُؤُونِ الْحَيَاةِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ:
إِنَّ مِنَ الْخَطَأِ أَنْ يَقْتَصِرَ اهْتِمَامُ الْوَالِدَيْنِ عَلَى نَجَاحِ الْأَبْنَاءِ فِي الدِّرَاسَةِ أَوْ حُصُولِهِمْ عَلَى الْوَظَائِفِ أَوْ تَحْقِيقِ الْمَكَاسِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ بِنَاءِ دِينِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ. نَعَمْ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ الْحِرْصُ عَلَى مُسْتَقْبَلِهِمُ الْمَعِيشِيِّ مَطْلُوبٌ، لَكِنْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا مُحَافِظِينَ عَلَى صَلَاتِهِمْ، مُسْتَقِيمِينَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ، مُعَظِّمِينَ لِشَعَائِرِ دِينِهِمْ. فَمَا قِيمَةُ شَهَادَةٍ عَالِيَةٍ إِذَا ضَاعَتِ الصَّلَاةُ؟! وَمَا قِيمَةُ وَظِيفَةٍ مَرْمُوقَةٍ إِذَا ضَعُفَ الدِّينُ وَفَسَدَتِ الْأَخْلَاقُ؟! وَكَمْ مِنْ أَبٍ فَرِحَ بِتَفَوُّقِ وَلَدِهِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أَحْزَنَهُ تَفْرِيطُهُ فِي دِينِهِ! وَكَمْ مِنْ وَالِدٍ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِابْنٍ مُتَوَسِّطٍ فِي دُنْيَاهُ لَكِنَّهُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ! فَالدِّينُ إِذَا صَلُحَ هَانَ بَعْدَهُ مَا فَاتَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَإِذَا فَسَدَ لَمْ تُغْنِ الشَّهَادَاتُ وَلَا الْمَنَاصِبُ ولا اَلْمَرَاْتِبُ شَيْئًا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْمُؤَثِّرَاتُ عَلَى الْأَبْنَاءِ فِي هَذَا الْعَصْرِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، فَوَسَائِلُ الِاتِّصَالِ وَالْأَجْهِزَةُ الذَّكِيَّةُ وَالْمِنَصَّاتُ الْمُخْتَلِفَةُ تَنْقُلُ إِلَى الْأَبْنَاءِ النَّافِعَ وَالضَّارَّ، وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، وَلِهَذَا أَصْبَحَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمُتَابَعَةِ وَالتَّوْجِيهِ أَعْظَمَ مِنْ ذِي قَبْلُ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْمُتَابَعَةِ التَّضْيِيقَ عَلَى الْأَبْنَاءِ أَوْ سُوءَ الظَّنِّ بِهِمْ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْقُرْبُ مِنْهُمْ، وَالِاسْتِمَاعُ إِلَيْهِمْ، وَمَعْرِفَةُ مَا يَشْغَلُهُمْ، وَتَوْجِيهُهُمْ بِالْحِكْمَةِ وَالرِّفْقِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ تَقْبَلُ مِمَّنْ يُشْعِرُهَا بِالْمَحَبَّةِ وَالِاهْتِمَامِ أَكْثَرَ مِمَّا تَقْبَلُ مِمَّنْ يُكْثِرُ عَلَيْهَا الْأَوَامِرَ وَالْعِتَابَ، وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ وَقُدْوَةٌ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
كَمَا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ صَلَاحِ الْأَبْنَاءِ؛ صَلَاحَ الْوَالِدَيْنِ أَنْفُسِهِمَا؛ فَإِنَّ الْأَبْنَاءَ يَتَأَثَّرُونَ بِمَا يَرَوْنَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَأَثَّرُونَ بِمَا يَسْمَعُونَهُ، فَإِذَا رَأَوُا الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَصِدْقَ الْحَدِيثِ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَتَعْظِيمَ أَوَامِرِ اللَّهِ، نَشَؤُوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الصُّحْبَةُ مِنْ أَقْوَى الْمُؤَثِّرَاتِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَفِيقِ السُّوءِ فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ؛ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ تَشْتَرِيَهُ أَوْ تَجِدَ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً».
فَكَمْ مِنْ شَابٍّ اسْتَقَامَ بِسَبَبِ صَاحِبٍ صَالِحٍ! وَكَمْ مِنْ آخَرَ ضَلَّ بِسَبَبِ رَفِيقِ سُوءٍ! فَاحْرِصُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَبْنَائِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُؤَثِّرَاتُ، فَإِنَّ الْوِقَايَةَ أَيْسَرُ مِنَ الْعِلَاجِ، وَالتَّرْبِيَةَ فِي بِدَايَتِهَا أَهْوَنُ مِنْ تَدَارُكِ التَّقْصِيرِ بَعْدَ اسْتِفْحَالِهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى صَلَاحِ الْأَبْنَاءِ الدُّعَاءَ لَهُمْ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالْهِدَايَةَ مِنْهُ وَحْدَهُ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ يُكْثِرُونَ مِنْ سُؤَالِ اللَّهِ صَلَاحَ الذُّرِّيَّةِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وَوَصَفَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
وَمَا كَانَتِ الذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ قُرَّةَ عَيْنٍ إِلَّا لِأَنَّ خَيْرَهَا لَا يَنْقَطِعُ، فَالْوَالِدُ يَفْرَحُ بِصَلَاحِ وَلَدِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِدُعَائِهِ وَبِرِّهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» وَذَكَرَ مِنْهَا: «وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ».
فَاحْرِصُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَبْنَائِكُمْ، وَعَلِّمُوهُمْ أُمُورَ دِينِهِمْ، وَقَرِّبُوا مِنْهُمْ، وَتَابِعُوا أَحْوَالَهُمْ، وَاغْتَنِمُوا أَعْمَارَهُمْ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ، فَإِنَّ التَّرْبِيَةَ النَّافِعَةَ تَبْدَأُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمُشْكِلَاتِ، وَثَمَرَتَهَا تَمْتَدُّ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَمَاتِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا، وَاجْعَلْهُمْ هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، وَاحْفَظْهُمْ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا وَرَخَاءَهَا .
اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ احْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا ، وَاسْتَعْمِلْ عَلَيْنَا خِيَارَنَا ، وَاجْعَلْ وِلَايَتَنَا فِي عَهْدِ مَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَتَوَفَّنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ .
عِبَادَ اللهِ :
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .