النِّكاحُ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِين
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً.
أمّا بعدُ:
عِبادَ اللهِ:
اتقُوا اللهَ تَعالَى، واعْلَمُوا أَنَّ النِّكاحَ
مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِين، وَطَرِيقٌ لِلْعَفَافِ وَصِيانَةِ الأعْراضِ، وَسَبَبٌ
لاسْتِقْرارِ الْمُجْتَمَعِ، وَفِيهِ حِفْظٌ لِلدِّينِ، وَتَحْقِيقٌ لِمَقاصِدِ
الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ النَّسْلِ والأخلاقِ، قال تعالى: ( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى
وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً )، وَقال تعالى: ( وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )، وَقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ
اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ،
وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ).
فَالنِّكاحُ يا عِبادَ اللهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصالِحٌ
عَظِيمَةٌ:
مِنْها:
بَقاءُ النَّسْلِ البَشَرِيِّ، وَتَكْثِيرُ عَدَدِ الْمُسْلِمِين،
وَإِغاظَةُ الكُفَّارِ بِإنْجابِ الْمُجاهِدِينَ والْمُدافِعِينَ عَنْ دِينِهِ.
وَمِنْها:
إِعْفافُ الفُرُوجِ، وَإحصانُها، وَصِيانَتُها مِن
الاسْتِمْتاعِ الْمُحَرَّمِ الذي يُفْسِدُ الْمُجْتَمَعاتِ البَشَرِيَّةِ.
وَمِنْها:
قِيامُ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالرِّعايَةِ
والإنْفاقِ، قال تعالى: ( الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ )
وَمِنْها:
حُصُولُ السَّكَنِ والأُنْسِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ،
وَحُصُولُ الراحَةِ النَّفْسِيَّةِ، قال تعالى: ( وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ )
وَمِنْها:
حِمَايَةُ الْمُجْتَمَعاتِ مِنْ الوُقُوعِ فِي
الفَوَاحِشِ التي تَهْدِمُ الأخلاقَ وَتَقْضِي عَلَى الفَضِيلَةِ.
وَمِنْها:
حِفْظُ الأنسابِ، وَتَرابُطُ القَرَابَةِ والأَرْحامِ
بَعْضِها بِبَعْضٍ، وَقِيامُ الأُسَرِ الشَّريفَةِ التي تَسُودُها الرحْمَةُ
وَالصِّلَةُ.
وَمِنْها:
التَرَفُّعُ بِبَنِي الإنسانِ عَن الحَياةِ
البَهِيمِيَّةِ إلى الحياةِ الإنسانِيَّةِ الكَرِيمَةِ.
والنِّكاحُ
عَقْدٌ شَرْعِيٌّ وَمِيثاقٌ عَظِيمٌ، يَجِبُ تَعْظِيمُهُ واحْتِرامُهُ والوَفَاءُ
بِهِ، قال تعالى: ( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ
مِيثَاقًا غَلِيظًا ) وقال تعالى: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ).
وَيُباحُ
لِمَنْ عِنْدَه القُدْرَةُ الْمادِّيَّةُ، والقُدْرَةُ عَلَى العَدْلِ:
أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ واحِدَةٍ. وَالعَدْلُ الْمَطْلُوبُ هُنَا هُو: العَدْلُ في النفَقَةِ والكِسْوَةِ والْمَسْكَنِ وَالْمَبِيتِ،
مَعَ الحِرْصِ عَلى حُسْنِ العِشْرَةِ والْمُعامَلَةِ.
وإباحَةُ
تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ مِنْ مَحاسِنِ الشَّريعَةِ وَصَلَاحِيَّتِها لِكُلِّ زَمانٍ
وَمَكانٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصالِحِ
العَظِيمَةِ للرِّجالِ والنِّساءِ والْمُجْتَمَعاتِ. لِأَنه مِن الْمَعْلُومِ
كَثْرَةُ عَدَدِ النِّساءِ عَن عَدَدِ الرِّجالِ مَعَ مَا يَعْتَرِي الرجالَ مِن
الأَخْطارِ التي تُقَلِّلُ عَدَدَهُمْ، كَأَخْطارِ الحُرُوبِ والأسفارِ، مِمَّا
يَقِلُّ مَعَهُ عَدَدُ الرِّجالِ، وَيَتَوَفَّرُ بِهِ عَدَدُ النِّساءِ، فَلَوْ
اقْتَصَرَ الرَّجُلُ عَلَى واحِدَةٍ، لَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِن النساءِ.
وَكَذَلكَ مَعْرُوفٌ مَا يَعْتَرِي الْمَرْأَةَ مِن الحَيْضِ والنِّفاسِ، فَلَوْ
مُنِعَ الرَّجُلُ مِنْ التَزَوُّجِ بِأُخْرَى، لَمَرَّتْ عَلَيْهِ فَتَراتٌ
كَثِيرَةٌ يحُرْمَ فيها مِن الْمُتْعَةِ والإنِجابِ.
ومَعْلومٌ
أَنَّ الاسْتِمْتاعَ بِالْمَرْأَةِ اسْتِمتاعًا
كامِلًا وَمُثْمِرًا يَنَتَهِي بِبُلُوغِها سِنَّ اليَأْسِ، بِخِلافِ الرجُلِ؛
فَإِنَّه يَسْتَمِرُّ في الاسْتِمتاعِ والإنْجابِ إلى سِنِّ الهَرَمِ، فَلَوْ
اقْتَصَرَ عَلَى واحِدَةٍ، لَفَاتَ عَلَيْه خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَتَعَطَّلَتْ
عِنْدَهُ مَنْفَعَةُ الاسْتِمْتاعِ وَالإنْجابِ.
فالاقْتِصارُ
عَلَى امْرَأَةٍ واحِدَةٍ يَتْرُكُ
كَثِيرًا مِن النساءِ لَا قَوَّامَ عَلَيْهِنَّ وَلَا عائِلَ لَهُنَّ، وَبِالتالِي
يُفْضِي ذَلِكَ إلى الفَسادِ الخُلُقِيِّ، وَضَياعِ كَثِيرٍ مِن النِّساءِ، أَوْ
حِرْمانِهِنَّ مِنْ مُتْعَةِ الحياةِ وَزِينَتِها، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لا
تَسْتَغْنِي عَن الرَّجُلِ القَوَّامِ وَلَوْ حاوَلَتْ أَوْ كانت قادِرَةً عَلى
التَكَسُّبِ، فَقَبَّحَ اللهُ مَنْ يُحَاوِلُ تَعْطِيلَ هذِهِ الْمَصالِحِ.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي
وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا
تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ
ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ
للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن
لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً
عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمَّا
بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تعالى، واعْلَمُوا أَنَّ الإسْلامَ
مُحارَبٌ فِي أُمُورِهِ كُلِّها، والتي مِنْها: النِّكاحُ الذي جَعَلَهُ اللهُ مِن
سُنَنِ الْمُرْسَلِين، مِنْ خِلالِ
الدَّعَوَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ التي تُرَوِّجُ لِلْعُزُوفِ عَن الزَّواجِ،
وَتَسْتَغِلُّ وَسائِلَ التَوَاصُلِ لِتَشْوِيهِ صُورَتِهِ، وبَثِّ الْمُحْتَوَياتِ
الْمُضَلِّلَةِ التي تُنَفِّرُ مِنْهُ، وَتَسْعَى إلى إفسادِ الفِطْرَةِ
السلِيمَةِ، وَهَدْمِ القِيَمِ الأُسَرِيَّةِ، وَمُصادَمَةِ أحكامِ الشريعَةِ
وَمَقاصِدِها.
فَيَجِبُ عَلَى الآباءِ والأُمَّهاتِ والأَوْلِياءِ والْمُجْتَمَعِ التَّعاوُنُ عَلَى مُحارَبَةِ هذا الفِكْرِ الضَّالِّ،
وَتَشْجِيعُ الشَّبابِ، وَتيسيرُ أَمْرِ الزَّواجِ، وَرَفْعُ العَوَائِقِ عَنْه،
وَتَرْكُ العاداتِ الْمُخالَفَةِ لِلشَّرْعِ، والإسرافِ فِي الوَلَائِمِ، والْمُبالَغَةِ
فِي تَكَالِيفِ الزَّواجِ، فَإِنَّها سببٌ لِوُقُوعِ الزَّوْجَيْنِ وأَهْلِيهِمْ
أيْضًا فِي الدُّيُونِ والهُمُومِ.
والْمَطْلُوبُ هُوَ تَشْجِيعِهُمْ
وَإِعانَتُهُمْ مادِّيًّا وَلَوْ مِن الصَّدَقاتِ والزَّكَواتِ.
وَمِن العَوائِقِ عَضْلُ النِّساءِ وَالتَشَدُّدُ في الشُّرُوطِ، وَمَا
يَتَرَتَّبُ عَلَى ذلك مِنْ مَفاسِدَ كَبيرَةٍ، أشَدُّها عُزُوفُ كَثِيرٍ مِن
الشَّبابِ عَن الزَّواجِ.
اللهُمَّ
أصْلِحْ نِساءَنَا وَشَبابَنا، وَخُذْ بِأَيْدِيهِمْ إلى الهُدَى والصَّلاحِ
والعَفافِ، وَرُدَّ ضالَّهُمْ إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، رَبَّنَا هَبْ لَنا مِنْ
أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يَا ذَا الـجَلالِ وَالإِكرامِ، اللهُمَّ
احفظْنا بالإِسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإِسلامِ قاعدِين واحفظْنا بالإِسلامِ
راقدِين ولا تُشْمِتْ بِنا أَعداءَ ولا حَاسِدِينَ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ
الْمُسلمينَ حُكَّاماً ومحكُومين، اللهُمَّ اجمعْ كلمةَ الْمُسلمين على كتابِك
وسُنَّةِ نبيِّك محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، اللهُمَّ انصرْ الْمُستَضعفينَ
مِن الْمُؤمِنين، اللهُمَّ احِقنْ دماءَ الْمُسلِمِين، واجعلْ كلمتَهم واحدةً
ورايتَهم واحدةً واجعلْهُم قوَّةً واحدةً على مَنْ سِواهُم، وَانْصرْهُم على مَن
بَغَى عَليْهم، ولا تجعلْ لأَعْدَائِهم مِنَّةً عَلَيْهِم يا قويُّ يا عزيزُ،
اللهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ
وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين، اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ،
اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ
يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِمَّنْ يكيدُ
لها، وَانْصرهَا على أَعْدَائِهَا في داخِلِها وَخَارِجِهَا، وأَعِذْهَا مِن شرِّ
الأشرارِ وكَيْدِ الفُجَّارِ، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أمرِنا بتَوفِيقِك،
وأيِّدْهُم بِتأَييدِك، وَاجْعَلهم مِن أَنصارِ دِينِكَ، وارزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ
النَّاصِحةَ يَا ذَا الـجَلالِ وَالإِكْرامِ، اللهُمَّ اغفرْ للمُسْلِميِنَ
والْمُسْلِمَاتِ والْمُؤْمِنَينَ والْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُم وَالأَمْواتِ،
إِنَّكَ سَمِيعٌ قَريبٌ مُـجِيبُ الدَّعَواتِ، (وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق
تجدها هنا :
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119